أبلهاض: نحن مع الحكومة حين تنصف العمال وضدها حين تهدر حقوقهم

في سياق وطني يتسم بحراك اجتماعي متصاعد، واتساع الفجوة بين التوجيهات الملكية الداعية إلى الإصلاح وتحقيق التنمية وبين أدوار “المعينين” و”المنتخبين” في إنزال هذه التعلميات على أرض الواقع، ولإبراز دور النقابي والسياسي كفاعلين أساسين في بناء الثقة وتحصين المكتسبات، تحدث  إدريس أبلهاض، الكاتب الإقليمي للاتحاد العام للشغالين بفاس، في حوار مطول مع جريدة “الديار”، ننشره في جزأين، عن قضايا الساعة، من مستجدات الصحراء المغربية وقرار الأمم المتحدة إلى العدالة المجالية، مرورا بالأزمة الاجتماعية الخانقة وظهور “جيل Z”، وصولا إلى مستقبل العمل النقابي في ظل التحديات الجديدة.

  • حزب الاستقلال شريك أساسي في الحكومة الحالية التي تواجه ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. بصفتكم الذراع النقابي للحزب، كيف تستطيعون التوفيق بين دعم الحكومة وبين الدفاع عن حقوق الشغيلة في ظل احتقان اجتماعي غير مسبوق؟ أم أنكم “تختبؤون” وراء الحديث النبوي “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”؟

دعني أوضح بداية أننا في الاتحاد العام للشغالين بالمغرب نشتغل وفق قاعدة صلبة. النقابة ليست ملحقة بالحكومة ولا بالمعارضة، النقابة ملحقة بقضايا المواطن المغربي.

صحيح أن حزب الاستقلال شريك رئيسي في الحكومة الحالية ويتحمل مسؤولية التدبير، لكن هذا لا يعني أن النقابة تصبح مجرد بوق للحكومة أو صدى لخطابها، نحن ندرك حجم الضغط الاجتماعي اليوم، من حيث غلاء الأسعار، والبطالة التي تمس الشباب بشكل مؤلم، وتراجع القدرة الشرائية. ويجب التأكد هنا على أن هذه القضايا ليست للمزايدة، بل حقائق يعيشها المواطن يوميا.

في المقابل لا يجب أن ننكر وجود إصلاحات استراتيجية كبرى انطلقت في بلدنا بفضل الرؤية الملكية المستنيرة، على غرار تعميم الحماية الاجتماعية، الدعم المباشر للأسر، ورش السكن، إصلاح التعليم والصحة، تعزيز الأمن الطاقي والغذائي، توجيه الاستثمار نحو الإنتاج الوطني… هذه أوراش لم يكن أحد يجرؤ على إطلاقها في زمن عالمي معطوب ومضطرب.

لكن الإشارات الملكية الأخيرة كانت صريحة ومباشرة، حيث أكد جلالته على أن الإصلاح ليس غاية في ذاته، وقيمته تقاس بمدى شعور المواطن بنتائجه في واقعه اليومي، وعلى ان القدرة الشرائية خط أحمر ومحاربة الاحتكار مسؤولية دولة ومجتمع.

من هنا يبدأ دورنا الحقيقي كنقابة، عبر الدفاع والتقويم والتصحيح والاقتراح، مع الحكومة حين تُنصف العمال، وضدها حين تهدر حقوقهم أو تتأخر في حمايتهم وهنا نستحضر المبدأ الأخلاقي والنبوي السامي: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” بمعناه العادل، فإن كان مظلوما ننتصر له، وإن كان ظالما نمنعه من الظلم ونرده إلى الصواب.

كمسؤولين نقابيين، نحن لا نتبنى الاحتجاج من أجل الاحتجاج ولا الصمت من أجل التحالفات السياسية. نحن هنا لنضمن أن يصل أثر الإصلاحات إلى جيوب الناس ويُحارب الاحتكار بلا تردد وتعاد للطبقة المتوسطة قوتها ومكانتها وتصان كرامة العامل والمواطن.

بلدنا يسير في الاتجاه الصحيح، لكن السرعة يجب أن ترتفع والعدالة الاجتماعية يجب أن تبقى بوصلة الجميع. هذا هو جوهر التزامنا النقابي، وهذه مسؤوليتنا أمام الله والوطن، وأمام العمال، وأمام التاريخ.

  • ما قراءتكم لنص القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بشروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب؟ وهل ترونه كافيا لضمان ممارسة هذا الحق بحرية، أم أنه يفرض قيودا قد تضعف دوره كأداة ضغط اجتماعي؟

الحق في الإضراب حق دستوري نعتبره خطا أحمر لا يمكن المساس به، لأنه يعكس جوهر الحرية النقابية وحق العمال في الدفاع عن مصالحهم، في الوقت نفسه، ندرك أهمية تنظيم الإضراب بما يوازن بين حماية حقوق الشغيلة واستمرارية المرافق الحيوية، خاصة تلك المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين.

نحن مع قانون منصف ينظم الإضراب دون أن يقيده، ويكرس الحوار الاجتماعي كخيار أول قبل أي خطوة نضالية. أي نص قانوني يجب أن يحقق توازنا بين الحرية النقابية وواجبات الدولة والمجتمع، بحيث لا يتحول الإضراب إلى جرم، ولا يضعف قدرة النقابات على الدفاع عن حقوق العمال.

مشروع القانون التنظيمي يجب أن يضمن حرية النقابات في الدعوة والإضراب دون أي تضييق، وحماية المضربين من أي انتقام أو عقوبات غير قانونية، تعزيز الحوار الاجتماعي والتوافق كآلية أولى قبل اللجوء إلى الخطوات النضالية، إضافة إلى الحفاظ على استمرارية الخدمات الحيوية بشكل يضمن مصالح المواطن دون المساس بالحقوق الأساسية للموظف أو العامل.

باختصار، نحن نريد نصا ينظم ولا يقيد. يحمي الوطن والمواطن والعامل معا. ويجعل من الإضراب أداة عادلة وفعالة في تحقيق العدالة الاجتماعية، بعيدا عن أي “تطرف” في استعماله. وهذا ما استطاع الاتحاد العام للشغالين ضمانه في هذا القانون التنظيمي.

  • قدمتم ترشيحكم لقيادة قطاع وطني داخل النقابة، ثم تراجعتم في آخر لحظة، هل يتعلق الأمر بمناورة أو بخلاف ما مع القيادة؟

إطلاقًا، علاقتي بالقيادة المركزية يسودها الاحترام والتقدير والثقة المتبادلة، تنازلي كان وديا وعن قناعة، شعرت بأن موقعي الحالي داخل الإقليم يتيح لي خدمة قطاعات أوسع، وأن التفرغ لقيادة قطاع واحد قد لا يسمح لي بالوفاء لكل الالتزامات الميدانية.

ما يجمعنا هو الحرص على قوة التنظيم وفاعليته وليس المواقع، مع أن الطموح يبقى حق مشروع ومشفوع متى تهيأت شروطه الذاتية والموضوعية.

  • كلمة أخيرة..

نؤكد في الاتحاد العام للشغالين بفاس أن انخراطنا في الدينامية الإصلاحية الوطنية مستمر تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده. نحن ملتزمون بدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الوحدة الترابية والاستقرار الاجتماعي وضمان استمرارية الخدمات والمكتسبات الوطنية، والحفاظ على جسر الثقة بين الدولة والمجتمع المدني والنقابات.

في الوقت نفسه، نؤكد أن الاتحاد العام سيظل مسؤولا وحازما في الدفاع عن حقوق الشغيلة ومطالب المواطنين المشروعة، مع الحرص على الحوار البناء والمبادرات الهادفة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

المغرب يتقدم عندما نتقدم جميعا، ونحن في الاتحاد العام سنظل الصوت المدافع والذراع الميداني، ملتزمين بالمسار الوطني الإصلاحي وبخطة العمل المستقبلية التي تعزز من دور النقابة ومكانتها، مع حماية الحقوق وتعزيز الكرامة، لتحقيق مغرب متقدم، عادل، ومتماسك.

ادريس أبلهاض: “جيل Z” لا ينتظر الوعود فقط والجميع مطالب بالانفتاح عليه