ادريس أبلهاض: “جيل Z” لا ينتظر الوعود فقط والجميع مطالب بالانفتاح عليه

في سياق وطني يتسم بحراك اجتماعي متصاعد، واتساع الفجوة بين التوجيهات الملكية الداعية إلى الإصلاح وتحقيق التنمية وبين أدوار “المعينين” و”المنتخبين” في إنزال هذه التعلميات على أرض الواقع، ولإبراز دور النقابي والسياسي كفاعلين أساسين في بناء الثقة وتحصين المكتسبات، تحدث  إدريس أبلهاض، الكاتب الإقليمي للاتحاد العام للشغالين بفاس، في حوار مطول مع جريدة “الديار”، ننشره في جزأين، عن قضايا الساعة، من مستجدات الصحراء المغربية وقرار الأمم المتحدة إلى العدالة المجالية، مرورا بالأزمة الاجتماعية الخانقة وظهور “جيل Z”، وصولا إلى مستقبل العمل النقابي في ظل التحديات الجديدة.

  • بداية، كيف تقيمون، كقيادي نقابي، المستجدات المتسارعة في ملف الصحراء المغربية والدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي؟

نحن اليوم أمام تراكم تاريخي مُشرف يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله بثبات وبُعد نظر، الدبلوماسية المغربية تُحقق نجاحات ومكاسب استراتيجية على الأرض، تُرسخ الحل المغربي كحل وحيد، هناك توسع في دائرة الدول الداعمة للحكم الذاتي باعتباره الحل الجدي والعملي والواقعي لقضية الصحراء، وهو ما اقتنع به وأقره المجتمع الدولي بشكل مؤسساتي،

واجب النقابات الآن يتجاوز حدود أدوارها التقليدية، إنها مطالبة بترسيخ الوحدة الترابية، ومواكبة هذا المسار بالنضال والتعبئة الوطنية والدفاع عن قضيتنا المركزية في كل دوائر التأثير، الوحدة الترابية ليست مجرد ملف إداري أو ديبلوماسي، إنها قضية وجود وهوية ومستقبل أجيال وبلد وأمة.

  • خلال الإعداد لهذا اللقاء كان هناك نقاش حول جدوى طرح قضايا وطنية كبرى ونقاشات تهم السياسات العمومية مع فاعل نقابي محلي المفروض فيه أن يكون ملما بقضايا الشأن المحلي أكثر..

(مقاطعا) أولا، أنا عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام للشغالين بفاس، وكذا عضو مجلس جهة فاس-مكناس ورئيس لجنة الفلاحة و التنمية القروية بها، وهي مسؤوليات مكنتني من الكثير من الاطلاع على مختلف القضايا محليا وجهويا ووطنياً.

ثانيا، وقياسا على ما جاء على لسانكم، يقال إن صوت التراب هو ميزان الحقيقة، من يتواجد في المؤسسات المحلية والمجتمع المهني، هو الأكثر قُربا من واقع المغاربة والأكثر معرفة بنبض الناس وبحاجياتهم الملحة، الخطب الملكية نفسها نبهت لضرورة الإنصات العميق للمجتمع بكل مكوناته. من يعيش قضايا الشغل والخدمات والحق في العيش الكريم يوميا، هو الأقدر على تشخيص الاختلالات، النقابات اليوم ليست مجرد “كيان مطلبي” بل شريك في الفعل الوطني، ووسيط اجتماعي واضح الرؤية تجاه رهانات الدولة والاستراتيجية الوطنية، المفروض في النقابي الحقيقي أن يوطد العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأي تنمية لا تُصغي للميدان ستبقى ناقصة.

  • طيب.. في خطاب العرش الأخير تم التعبير بشكل صريح ومباشر عن رفض الملك لفكرة “المغرب الذي يسير بسرعتين”، هناك إصلاحات قوية تقودها الدولة من جهة، وتباطؤ في التفاعل الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى، من يتحمّل المسؤولية في نظركم؟ وكيف يمكن معالجة هذا الخلل في التوازن بين المركز والهامش؟

الرؤية الملكية الاستشرافية هي دائما البوصلة التي تحدد “خريطة الطريق” وترسم مسار السياسات العمومية وفقا للأولويات التي قد يغفل أو يتوه عنها الفاعل السياسي الحزبي، الخطب الملكية وضعت الأصبع على جوهر الإشكال، والعدالة المجالية غير المكتملة.

هناك إصلاحات ومشاريع وأوراش كبرى تنجز بوتيرة عالية ومتسارعة على مستوى المراكز، لكن بعض الأقاليم و المجالات الترابية لا تستفيد بنفس السرعة ومازالت تنتظر نصيبها من التنمية، المطلوب اليوم هو موازنة السرعتين عبر تسريع التنمية اللامركزية وفق نموذج تنموي محلي مندمج يُعطي للمدن والجهات هامشًا أوسع للتقدم وفق مقوماتها وطاقاتها، وهو ما عبر عنه الخطاب الملكي بالجيل الجديد لبرامج التنمية،  نموذج المدينة المستدامة القادرة على خلق الثروة وإنتاج الفرص واحتضان الإنسان، هي أساس تجاوز الفوارق وشرط لتحقيق الإنصاف، العدالة المجالية ليست رفاهًا، بل شرط للاستقرار والتلاحم الوطني.

نحن كنقابيين، مدعوون لالتقاط الإشارات الملكية وتحويلها إلى مشاريع فعلية تمس حياة الناس، لا الاكتفاء بالشعارات، واجبنا الأخلاقي هو نقل احتياجات الهامش للمركز والترافع من أجل تحويلها إلى سياسات عمومية فعلية.

  • يشهد الحقل الاجتماعي بروز جيل جديد من الشباب يقود الحراك على مستوى واجهة المجال الاحتجاجي، وتطرح معه أسئلة حول طبيعة التمثيلية وطرق التعبير، ما قراءتكم لطبيعة التحولات في رؤية هذا الجيل؟

الشباب اليوم أكثر فهما وجرأة في التعبير عن تطلعاته. هذا جيل واع، رقمي، سريع التفاعل، جيل متابع ومرن ومتصل بالمعرفة، والدولة لم تقرأ احتجاجاته بمنطق التخوف أو المواجهة.

الشباب اليوم لا يريد لغة الخشب ولا الوعود المؤجلة، يريد نتائج ملموسة على الأرض، فرص عمل ذات كرامة، وخدمات عمومية في المستوى، مسؤوليتنا كفاعلين نقابيين أن ننفتح على دمج هذه الطاقات عبر تطوير أشكال جديدة للتنظيم والترافع وتجديد أدوات النضال بما ينسجم مع روح العصر، وأن نُشركهم في القرار النقابي بدل الاكتفاء بالحديث باسمهم، وأن نجعل مطالبهم في صلب المفاوضات الاجتماعية، لأن حاضر المغرب ومستقبله بين أيديهم.

لقد لمسنا إرادة ملكية واضحة لإدماج هؤلاء الشباب من خلال مخرجات الاجتماع الوزاري الأخير الذي تبنى مطالبهم المشروعة، وفتح أمامهم مسارات المشاركة والاندماج السياسي والاجتماعي، الإصلاح الحقيقي لا يكون إلا تشاركيا واحتواء الطاقات الشابة من داخل منظومة صناعة القرار العمومي هو لب الإصلاح، وقلب التحول الاجتماعي والاقتصادي.

  •  كيف تنظرون إلى ظاهرة تناسل التنسيقيات القطاعية، أليست مؤشرا على تجاوز الفعل النقابي التقليدي أو إضعافا ميدانيا له، وكيف تنظرون إلى مستقبل الإطارات النقابية في الظرفية الراهنة؟

ظاهرة التنسيقيات هي رسالة احتجاجية قوية على أعطاب الوساطة الاجتماعية، إنها  في جزء منها نتيجة طبيعية لتراكمات وإهمال طويل لفئات لم تجد نفسها داخل الإطارات النقابية التقليدية، علينا أن نعترف بهذه الحقيقة بدل إنكارها،  لكن الحل ليس في تهميش النقابات، بل في تجديد أدوارها وطرق اشتغالها.

النقابة اليوم مطالبة بأن تكون أكثر شفافية، أكثر قربا من القواعد، أكثر جرأة في الترافع، وأيضا أكثر احترافية في تقديم البدائل، نحن منفتحون على التعاون مع كل أشكال التنظيمات ما دام الهدف مشتركا ويصب في حماية الحقوق والحريات وبناء تنمية عادلة.

دورنا اليوم يتجاوز المطالب الفئوية إلى الدفاع عن الخيار الوطني في التنمية، النقابات مطالبة بأن تكون قوة اقتراح حقيقية، وأن تُعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات، وأن تواكب مشاريع الدولة في تحديث الاقتصاد والحماية الاجتماعية، دون التنازل عن الحقوق المشروعة للعمال. باختصار نحن في حاجة إلى نقابة مسؤولة، مبادرة، وملتزمة بقضايا الوطن والمواطن، نحن في الاتحاد العام للشغالين نشتغل على مقاربة جديدة: نقابة المبادرة لا الانتظار، نقابة الحلول لا العرقلة، نقابة الشراكة لا الصدام العقيم، سنواصل الدفاع عن كرامة الشغيلة، وفي نفس الوقت، عن مستقبل الاقتصاد الوطني الذي يضمن هذه الكرامة.

الرسائل الاحتجاجية بآلياتها الجديدة وصلت لكل المستويات، وحان الوقت كي تتطور النقابات وتجدد نخبها وآليات اشتغالها ورؤيتها للمستقبل، وأن تتحول من نقابة احتجاج إلى نقابة اقتراح ورؤية، ومن الدفاع عن المطالب فقط إلى صناعة السياسات العمومية، ومن الانغلاق التنظيمي إلى الانفتاح على الطاقات والابتكار، ومن الهياكل القديمة إلى حضور رقمي فعال.

(يتبع)