جدل “مياه بوعادل” و”تعويضات عالقة” و”سدود مرعبة” و”حيف تاريخي”.. لجنة منكوبي تاونات للحكومة: “كفى تجاهلا!”
في ظل استمرار تداعيات الفيضانات والأزمات الاجتماعية والتنموية التي يشهدها إقليم تاونات، أصدرت لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات بيانا جديدا عبرت فيه عن قلقها من الأوضاع التي يعيشها الإقليم، مؤكدة مواصلتها تتبع مختلف الملفات المرتبطة بالمتضررين، ومنددة بما وصفته باستمرار التهميش والإقصاء وغياب تدخلات حكومية منصفة وفعالة.
وقالت اللجنة إن مسؤوليتها الأخلاقية والمدنية، وإيمانها بحق ساكنة الإقليم في الكرامة والإنصاف والتنمية العادلة، يدفعانها إلى مواصلة الترافع بشأن عدد من القضايا التي اعتبرتها ذات أولوية.
وفي مقدمة هذه الملفات، استنكرت اللجنة استمرار تجاهل الحكومة لمطالبها، وعلى رأسها الرسالة المفتوحة الموجهة إلى رئيس الحكومة، والتي أكدت أنها لم تلق إلى حدود اليوم أي تفاعل جدي أو استجابة ملموسة. كما عبرت عن استغرابها من عدم تصنيف إقليم تاونات منطقة منكوبة، معتبرة أن هذا القرار يتجاهل حجم الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الفيضانات منذ يناير 2026.
وأكدت اللجنة أن تقييم الكارثة ينبغي أن يستند إلى آثارها الفعلية على المواطنين، من فقدان للأرواح وتدمير للممتلكات والمنازل وحرمان للأسر من مصادر دخلها، معتبرة أن تجاهل هذه الوقائع لا يعكس حقيقة المعاناة اليومية للمتضررين، ولا يساعد على بلورة استجابة حكومية منصفة.
وفي ما يتعلق بملف سد الرتبة، سجلت اللجنة استمرار حرمان ذوي الحقوق المسجلين ضمن لوائح الشطر الثاني من التعويضات، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على انتزاع أراضيهم وممتلكاتهم لفائدة المنفعة العامة، مشيرة إلى أن المستفيدين من الشطر الأول سبق أن توصلوا بمستحقاتهم، بينما ما يزال المسجلون في الشطر الثاني ينتظرون صرف التعويضات.
وأوضحت أن الأراضي المنتزعة كانت تمثل مصدر الرزق الرئيسي لعدد كبير من الأسر، خاصة الفلاحين الذين يعتمدون على زراعة الزيتون والحبوب، معتبرة أن استمرار تأخر التعويضات يشكل إخلالا بمبدأ الإنصاف ومساسا بحقوق المواطنين، مطالبة بالتسوية الفورية والعادلة لهذا الملف وصرف المستحقات دون مزيد من التأخير.
كما عبرت اللجنة عن قلقها من التداعيات المحتملة لمشروع سد “باب وندر”، الذي قالت إنه يهدد استقرار أربع جماعات ترابية هي بني وليد وبوهودة وبوعادل وفناسة باب الحيط، مسجلة ما وصفته بجملة من الاختلالات المرتبطة بتدبير المشروع.
وأشارت في هذا السياق إلى غياب الشفافية بشأن السيناريو المعتمد لمستوى ارتفاع المياه والخرائط التفصيلية للمناطق المهددة بالغمر، خاصة مركز بني وليد، معتبرة أن ذلك يترك آلاف السكان في حالة من القلق والغموض بشأن مستقبلهم.
كما انتقدت الطريقة التي تم بها إحصاء المتضررين، والتي تمت، بحسب البيان، عبر استدعاء المواطنين إلى أحد المقاهي بمركز بني وليد، بدل انتقال الجهات المختصة إلى الدواوير والمناطق المعنية، بما يحفظ كرامة الساكنة ويضمن دقة المعطيات.
وسجلت اللجنة أيضا ما وصفته بتجاوز بعض المتدخلين لأدوارهم، معتبرة أن مكتب الدراسات يفترض أن يقتصر دوره على دراسة الآثار البيئية والاجتماعية للمشروع، وليس التعامل المباشر مع المواطنين بمنطق الإهانة أو الاستفزاز.
وفي ما يخص المسألة المائية ببوعادل، عبرت اللجنة عن قلقها من الغموض الذي يحيط بهذا الملف، وما يرافقه من تخوفات لدى الساكنة بشأن مستقبل الموارد المائية، كما نددت باستدعاء بعض الأشخاص الذين عبروا عن رفضهم لهذا الوضع من طرف درك بني وليد، معتبرة أن التعبير السلمي عن الرأي والمطالبة بالتوضيح لا ينبغي أن يقابلا بأي شكل من أشكال التضييق أو الترهيب.
وطالبت اللجنة بالإفصاح الفوري عن السيناريو المعتمد لمشروع السد ونشر الخرائط الخاصة بالمناطق المهددة بالغمر، ومراجعة السعة التخزينية للمشروع بما يحمي المراكز السكنية، خصوصا مركز بني وليد، إلى جانب توضيح مختلف المعطيات المتعلقة بالمسألة المائية ببوعادل، ووقف أي تضييق على المواطنين، مع إعداد برنامج تعويض عادل ومتوافق بشأنه قبل انطلاق الأشغال، والاستفادة من اختلالات ملف سد الرتبة حتى لا تتكرر مع ساكنة باب وندر.
وفي محور آخر، تناول البيان أوضاع مزارعي القنب الهندي بإقليم تاونات، حيث أكدت اللجنة أنها تتابع بقلق ما وصفته بالاحتكار وضعف الشفافية بعد وعود التقنين والتثمين، مشيرة إلى أن فسخ عقود عدد من التعاونيات خلق حالة من الغضب وسط المزارعين، ودفع بعضهم إلى التلويح بالعودة إلى السوق السوداء بعد فقدان الثقة في مسار التسويق القانوني.
واعتبرت اللجنة أن هذا الوضع يهدد بتحويل ورش التقنين من رافعة للتنمية المحلية إلى آلية لاستغلال الفلاحين، مطالبة بفتح تحقيق جدي وشفاف في مسار تثمين وتسويق القنب الهندي، والكشف عن الاختلالات، ومساءلة الجهات المتورطة، وضمان تسويق عادل للإنتاج، وحماية الفلاحين الصغار من ممارسات الاحتكار.
وفي الجانب التنموي، أكدت اللجنة أن الإقليم يعاني من تدهور البنية التحتية، خاصة بعد الفيضانات التي أدت إلى انهيار عدد من الطرق والمسالك، وهو ما فاقم عزلة العديد من الدواوير. كما أشارت إلى أزمة السكن القروي الناتجة عن انهيار مئات المنازل الطينية، في ظل غياب برامج استعجالية لإعادة الإيواء، إضافة إلى استمرار تردي الخدمات الصحية بسبب الخصاص في المراكز والتجهيزات والأطر الطبية.
واعتبرت اللجنة أن هذه الأوضاع تعكس ما وصفته بالتهميش التاريخي والإقصاء التنموي الذي عانى منه إقليم تاونات لعقود، رغم مساهمته بثرواته الطبيعية وأراضيه ومياهه في خدمة مناطق أخرى، مؤكدة أن تحويل الإقليم إلى مجرد خزان انتخابي دون تمكينه من حقه في التنمية يشكل وجهاً من أوجه الحيف المجالي.
وفي ختام بيانها، جددت لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات مطالبتها للحكومة والجهات المعنية بصرف تعويضات عاجلة للمتضررين من الفيضانات، وإنصاف ذوي الحقوق في الشطر الثاني من ملف سد الرتبة، ومراجعة مشروع سد باب وندر واعتماد السيناريو الأقل ضررا، وحماية مركز بني وليد من خطر الغمر، ورفع الغموض عن الملف المائي ببوعادل، وإنصاف مزارعي القنب الهندي، إلى جانب إعداد مخطط استعجالي لفك العزلة، وإحداث نظام للإنذار المبكر من الفيضانات، وتأهيل القطاع الصحي، وإطلاق برنامج للسكن القروي الآمن، ووضع استراتيجية حقيقية للتنمية الاقتصادية تعتمد مقاربة تشاركية وتشرك الساكنة في اتخاذ القرار.
وأكدت اللجنة في ختام بيانها أن استمرار تجاهل هذه الملفات يشكل، بحسب تعبيرها، تنصلا أخلاقيا وسياسيا من واجب الدولة تجاه مواطنيها، معلنة عزمها مواصلة الترافع بكل الوسائل المشروعة إلى حين إنصاف المتضررين ورفع ما وصفته بالحيف التاريخي عن إقليم تاونات.
