خلال 123 جلسة برلمانية.. لماذا اختار هؤلاء النواب “الصمت الاستراتيجي”؟
حين يضع المواطن ثقته في مرشح ويمنحه صوته، فإنه لا يمنحه مجرد ورقة عبور إلى البرلمان، بل يضع بين يديه جزءا من آماله وانتظاراته ومشاكل المنطقة التي ينتمي إليها. ينتظر منه أن يكون صوته حين تغيب أصواتهم، وأن يحمل قضاياهم إلى المؤسسات، وأن يدافع عن مصالحهم حين لا يجدون هم طريقا إلى المسؤولين.
لكن ماذا يحدث حين تمر خمس سنوات كاملة، ويجد الناخب أن من اختاره ليمثله ظل صوته خافتا أو غائبا في المؤسسة التي انتخبه إليها؟ وماذا يشعر المواطن حين يرى النائب نفسه يعود إليه من جديد، يطلب منه تجديد الثقة، دون أن يجد أمامه حصيلة واضحة تبرر تلك الثقة؟..
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة في حالة عدد من النواب الذين يمثلون دوائر بجهة فاس مكناس، بعدما أظهر “مبيان” نشره موقع “اليوم24” حول الحضور والتفاعل البرلماني في الجلسات العمومية خلال الولاية التشريعية 2021-2026، ورود أسماء عبد القادر لبريكي عن الحركة الشعبية ممثلا لعمالة مكناس، والحسن بلمقدم عن الأصالة والمعاصرة ممثلا لإقليم مولاي يعقوب، وعبد الواحد المسعودي عن الأصالة والمعاصرة ممثلا لإقليم تازة، ضمن قائمة النواب الذين لم يتحدثوا خلال جلسات مساءلة الحكومة.

ساكنة مكناس ومولاي يعقوب وتازة لم تمنح هؤلاء النواب أصواتها من فراغ، ولم تخترهم اعتباطا من بين باقي المرشحين. لقد وضعت فيهم ثقة، وانتظرت منهم أن يكونوا ممثلين حقيقيين لها داخل البرلمان، وأن تتحول أصواتهم الانتخابية إلى صوت برلماني يدافع عن مشاكلهم، وينقل معاناتهم، ويسائل الحكومة عن أوضاع أقاليمهم..
لكن، ويا لها من لكن شديدة المرورة ! – لكن – هذه الثقة، والعهدة على موقع “اليوم 24″، قابلها حضور برلماني يطرح الكثير من علامات الاستفهام. فخمس سنوات ليست مدة قصيرة حتى يبرر غياب الصوت البرلماني. إنها ولاية كاملة، بما تحمله من جلسات وأسئلة وملفات وقضايا وطنية ومحلية كان يفترض أن يجد فيها النائب مساحة للدفاع عن المواطنين الذين أوصلوه إلى القبة، أم أن هؤلاء النواب الثلاثة لم يجدوا في واقع مدنهم أي مشاكل تطرح؟
لم يقابلوا يوما مواطنا يصرخ عطشا وآخر يئن ألما ويلجأ إلى مستوصف بلدته فلا يجد تارة الطبيب وتارة المعدات والأدوية وتارات أخر الاثنين معا.. وثالث يمنع صغيرته على مضض، مضطرا لا بطل، من الذهاب إلى المدرسة بسبب إما طريق لم تجد طريقها إلى التعبيد، أو نقلا لم يُوفر، أو ظروف عيش قاسية تجعله يرتب أولوياته ويسائل نفسه أيهما يوثر على الآخر: الدفتر أم الرغيف؟ ..
ورابعا عاطلا عن العمل يلتمس فرصة شغل مهما كان حجم التعب الذي توفره وقلة الدريهمات التي تنجني على إثرها؟..
ألم يصادفوا شبابا ضائعا منهارا يبحث عن أنصاف الفرص كي لا يختار طريق الجريمة أو طريق الارتماء في أحضان البحر سعيا وراء المجهول؟!
كيف مرت عليهم هذه السنوات الخمس دون تدخل في جلسات البرلمان.. دون حتى الاكتفاء بتعقيب أو نقطة نظام؟!
فيم كانوا منشغلين كل هذا الانشغال؟! ..
وما داموا لا يملكون وقتا، ولو ضئيلا، من أجل خدمة قضايا من انتخبوهم، ألم يكن جديرا بهم ترك مكانهم لمن كان من الممكن أن يقدموا جهدا للاستجابة لانتظارات المواطنين؟
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض هذه الأسماء تعود اليوم إلى الناخبين، طالبة أصواتهم من جديد، في وقت كان يفترض أن تكون حصيلة خمس سنوات هي أول ما يقدم للمواطن قبل طلب ثقته مرة أخرى.
فبينما يعرف هؤلاء النواب جيدا كيف يخاطبون الناخب خلال الحملات الانتخابية، يبقى السؤال الأهم: أين كان صوتهم عندما انتهت الحملة وبدأت المسؤولية؟ فمن حق سكان مكناس ومولاي يعقوب وتازة اليوم أن يسألوا ممثليهم: ماذا فعلتم بأصواتنا؟ وأين كان صوتكم عندما كنا ننتظر من يدافع عنا؟
