محمد لعبيدي يكتب: السلامة الطرقية.. حق أُريد به باطل أم واجهة لحرب اقتصادية خفية؟
في لحظة تحمل رمزية كبيرة لدى المغاربة ، وبينما كان المغاربة يحتفلون بعيد الشباب، اختارت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية أن تطلق حملة غير مسبوقة لحجز آلاف الدراجات النارية بدعوى أنها “معدلة”، في خطوة فجائية لم تُسبقها لا بلاغات توضيحية ولا نقاش عمومي. آلاف الشباب وجدوا أنفسهم في مواجهة قرار يطال وسيلتهم الوحيدة للعمل والتنقل، رغم أنهم اقتنوا دراجاتهم كما هي من السوق، دون أي تدخل منهم في تعديل محركاتها، فأي منطق في أن يُعاقَب المواطن البسيط بينما تُفتح الأبواب مشرعة أمام دخول هذه الدراجات إلى البلاد؟
الخطاب الرسمي يستند إلى رقم واحد: 25% من الحوادث سببها الدراجات النارية، لكنه يتغافل عن ثلاثة أرباع الحوادث التي تقع يوميًا بسبب سيارات وشاحنات متهورة، أو طرق متصدعة، أو غياب المراقبة الحقيقية لسلوكيات السياقة، فهل يعقل أن تختزل الوكالة الوطنية لسلامة الطرقية مأساة الدماء المراقة يوميًا في الدراجات النارية وحدها؟ أليس في ذلك توجيه متعمد للبوصلة بعيدًا عن لب المشكلة؟
الحقيقة المرة التي يحاول كثيرون التستر عليها هي أن وراء هذه الحملة سوقًا من ذهب، سوق الدراجات النارية في المغرب يدرّ أكثر من سبعة مليارات درهم سنويًا، إضافة إلى مليار درهم من تجارة قطع الغيار، وهوامش ربح تصل إلى ثلاثة آلاف درهم للدراجة الواحدة، ثلاثة ملايين دراجة تجوب الشوارع ليست مجرد وسيلة نقل شعبية، بل هي كعكة اقتصادية ضخمة يتقاسمها اليوم آلاف التجار الصغار، بينما الشركات الكبرى لم تستطع أن تضع يدها عليها، شركات كبرى مثل Yamaha Maroc وSmeia اللواتي يهيمن على سوق الدراجات الأوروبية باهظة الثمن، أما السوق الشعبي المنفلت من الرقابة فيظل خاضعًا لتجار مستوردين موزعين عبر التراب الوطني.
القرار الأخير لم يأتِ إذن في فراغ، في الكواليس تتداول الهمسات أن مقربين من رجل الأعمال رقم واحد في الحكومة، باتوا يرون في هذا السوق الملياري فرصة للاستحواذ وإعادة هيكلته، وليس سرًا أن بولعجول، مدير الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، الذي وقع قرار الحجز على الدراجات النارية، يحظى بدعم مباشر غير مفهوم من ذرف حزب الأحرار، دعم يثير أكثر من سؤال حول خلفيات الحملة، وحول السرعة الغريبة التي تبنى بها رئيس الحكومة قرار وقف عمل الدورية وتسريبها إلى الإعلام باسم رئيس الحكومة، رغم أن القرار بيد وزير النقل واللوجيستيك، وكيف يستبق محيط رئيس الحكومة إصدار قرار رسمي في الموضوع، ويعجل بتسريب الخبر إلى الإعلام وكأنهم يستبقون تهمة يعلمون أنها ستأتي لا محالة.
إن تحويل شعار “السلامة الطرقية” إلى غطاء لضرب الفئات الشعبية وإعادة توزيع المصالح الاقتصادية الكبرى هو عبث سياسي وأخلاقي، فالمغاربة يعرفون أن حماية الأرواح لا تتحقق بقرارات متسرعة تُحمل الضعفاء ثمن فوضى السوق، إننا أمام مشهد لا تُدار فيه السياسة باعتبارها خدمة للصالح العام، بل باعتبارها وسيلة لإعادة رسم خريطة الاستفادة من اقتصاد غير مهيكل، تحت عنوان براّق اسمه “السلامة الطرقية”.
السؤال الجوهري اليوم ليس عن سرعة الدراجات النارية، بل عن سرعة القرارات الحكومية في خدمة مصالح بعينها، من المستفيد من ضرب ملايين المستعملين؟ من الذي وضع السوق الشعبي نصب عينيه؟ ومن الذي يختبئ وراء شعار نبيل ليمرر باطلًا مفضوحًا؟ إنها معركة لا علاقة لها بحماية الأرواح بقدر ما هي صراع على الثروة، والمواطن البسيط وحده هو الضحية.
ملاحظة لها علاقة بما سبق: نحن ضد التهور في السياقة وضد تعديل ماكينات الدراجات النارية، وندعو مستعملي الدراجات النارية إلى احترام قانون السير واحتياطات السلامة.
تعبر المقالات المنشورة في “منتدى الديار” عن رأي أصحابها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الجريدة
