عثمان الزاهر يكتب: الإصلاح الجامعي الجديد.. إلى أين؟
لقد تم بداية من الموسم الجامعي 2023-2024 الشروع في تطبيق مضامين إصلاح جامعي جديد بعد الإعلان عن مستجداته من دفاتر الضوابط العلمية والبيداغوجية ومسالك الإجازة المفتوحة أمام الطلبة الجدد، دون أن يخلق هذا الحدث المهم نقاشا حقيقيا، خصوصا من طرف الأساتذة المعنيين بالأمر، باستثناء أساتذة الدراسات الإسلامية الذين قدموا رسالة إلى وزير التعليم العالي قصد إدخال تعديلات على مشروع الجذع الوطني لشعب الدراسات الإسلامية، وبعض التدوينات القليلة التي تسوق للنظام الجديد وتمدحه دون تحليل أو تعليل. فهل هو مجرد تريث حتى تتضح أكثر معالم هذا الإصلاح، أم أن هذا الأخير منزه عن كل نقد وانتقاد، أم أن الأمر فيه هذه بتلك؟
ما يثير الانتباه في هذا الإصلاح، بالدرجة الأولى، ويستحق فتح مساحة كبيرة للنقاش، هو اعتماد المسالك أو المسارات في الإجازة، أي أن الطالب مطالب بالتخصص أكثر. فبدل أن يحصل الطالب عند تخرجه على إجازة في “الدراسات الأساسية” في شعبة معينة، يجب عليه من البداية أن يختار مسلكا من المسالك المقترحة حسب كل مؤسسة جامعية، والتي يمكن أن تفرض عليه مسالك لا تتناسب مع ميوله أو تطلعاته أو مستواه، لأن كل كلية ستقترح عددا محدودا ومحددا من المسالك حسب رؤية أساتذتها ومجالسها. فمثلا، عوض أن يحصل الطالب على إجازة في العلوم الاقتصادية والتدبير، عليه عند تسجيله الأول أن يختار مسلكا من المسالك المعتمدة بالكلية التي سيتابع دراسته بها (غالبا ما تكون المؤسسة الأقرب لمحل سكناه)، مسالك تنتمي إلى حقل العلوم الاقتصادية كالاقتصاد القياسي أو السياسة الاقتصادية أو الاقتصاد الدولي… وأخرى تنتمي إلى العلوم التدبيرية كالمحاسبة أو تدبير الموارد البشرية أو البنوك والتأمين… نفس الأمر بالنسبة للعلوم القانونية، سيكون الطالب مطالبا بالاختيار بين التخصص في المهن القانونية والقضائية أو قانون المال والأعمال أو المنازعات القانونية… إذن يتضح جليا أن المؤسسات الجامعية ذات الولوج المفتوح تشهد تحولا مهما يمكن تلخيصه في توقيف اعتماد الإجازات في الدراسات الأساسية وتعويضها بإجازات أغلبها مهنية دون استخدام لفظ “مهنية”، عدد مهم منها تحمل أسماء مهن ووظائف ، كالسياحة والتنمية المستدامة أوالتدبير الثقافي والتراث أو كما ذكرنا سابقا، البنوك والتأمين.
الأمر الآخر الذي يجب الوقوف عليه هو استخدام تدريس اللغات الأجنبية كمروج لهذا الإصلاح، كأننا نقول للمتتبع للشأن التعليمي بما أنه سيتم إيلاء عناية خاصة (ولو على الورق) باللغات الأجنبية وأن الطالب لا يمكن أن يتخرج دون أن يكون متمكنا من لغتين أجنبيتين، فلا مجال للتشكيك في جودة هذا الإصلاح. هذا بالإضافة إلى استعمال بعض المصطلحات التي تعرف رواجا في الآونة الأخيرة كأسماء لبعض الوحدات مثل الذكاء الاصطناعي والمهارات الشخصية أو الناعمة (Soft skills) ومهارات القوة (Power skills) … والتي تجعل غير المتعمقين منبهرين بهذا التغيير حتى وقبل الإطلاع على تفاصليه وجزئياته. فبالنسبة للغات، اشتراط الحصول على الإجازة بالنجاح في اختبارات اللغة (مستوى B2 بالنسبة للغة الأجنبية الأولى) أمر جميل، ولكن إذا قمنا بتمحيص الأمور، فإن هذا المستوى نظريا هو مستوى الحاصل على البكالوريا، أي أن مستوى B2 هو شرط للدخول للتكوين الجامعي وليس من مخرجاته (عدم تمكن الطلبة من اللغة الفرنسية من الأسباب الرئيسية للهدر الجامعي). التناقض، هو أن قدرة الطالب الجامعي على متابعة دراسته (فهم، تواصل، امتحانات، عروض، مشاريع، وتحليل…) متوقفة على تمكنه – ولو نسبيًا – من اللغة التي سيتلقى تكوينه بها، لا بأن يكون في طور تعلمها، كما تنص عليه مقتضيات هذا الإصلاح البيداغوجي.
“الجميع” متفق على أن عددا من الشعب التي كانت معتمدة أصبحت نسبيا متجاوزة، وتخرج أناس بدون مهارات تمكنهم من الاندماج في سوق الشغل (أعداد خريجي عدد من الشعب أكبر بكثير من أعداد جميع مناصب الشغل المخصصة لهم في القطاعين العام والخاص)، حتى أصبح عدد كبير من خريجي الاقتصاد والقانون مثلا يمتهنون مهنة التدريس، ويمكن أن تسند لهم مهمة تدريس مواد بعيدة كل البعد عن تكويناتهم، كاللغة الفرنسية والتربية البدنية (وهذا نقاش آخر)، أو يعملون كعمال في المصانع، أي أنهم لا يحتاجون لما درسوه بالكليات في مهنهم، يحتاجون فقط للشهادة كوثيقة تخول لهم الحصول على منصب مالي، كما أن هناك عددا كبيرا لا يتمكنون من الحصول على وظيفة بالمرة. نعم، لا يمكن أن يعارض أحد أن أعداد خريجي عدد من الشعب، خصوصا الأدبية، أضحت تشكل عبئا على الاقتصاد الوطني، ولا يمكن أن يعارض أحد اقتراح تكوينات تتلائم مع سوق الشغل أو إجازات مهنية، إلا أنه لا يجب التضحية بتكوين العقول (“الغرض الحقيقي من التعليم هو تكوين العقول وليس الوظائف”، كريس هيدجز). فإذا كان هاجس الاقتصاد الوطني وسوق الشغل يجر قصيري النظر إلى تعميم التكوينات المهنية والاكتفاء بها فقط، فإن تقدم المجتمع ونهضته لا يمكن أن تكون دون معلمين أكفاء وكتاب ومفكرين وفلاسفة وشعراء ومنظرين وفنانين ومربين ومخترعين ومتعددي التخصصات… نعم، فلقد أصبح الدارس/ المتعلم “لعلم واحد فقط” يعتبر ناقص التكوين، الأمر الذي جعل عددا من الحاصلين على الإجازة يتسجلون وبحدة في الكليات مرة ثانية وربما ثالثة لدراسة شعب أخرى: القانون والاقتصاد والتدبيروالدراسات الإنجليزية والدراسات الإسلامية… فبدل الاكتفاء باقتراح المسالك، كان يجب أيضا اقتراح شعب ثنائية التخصص، كرياضيات وفيزياء، اقتصاد وعلوم سياسية، اقتصاد ورياضيات… أو ثلاثية التخصص كدراسة ثلاث لغات أجنبية معا، علم النفس وعلم الاجتماع والتربية…
ثم ماذا عن اقتراحات الأساتذة التي كان من أهمها الرجوع لاعتماد أربع سنوات من التكوين بدل ثلاث سنوات؟ لماذا لم يؤخذ بهذه التوصية؟ لماذا هذه السرعة في التكوين، وبالتالي السرعة في “إنتاج الخريجين”؟ فمن بين ما يجب العمل على دراسته ومراجعته هو سن التخرج أو سن بداية البحث عن الشغل (الحاصل على إجازة في حالة عدم التكرار يكون سنه واحد وعشرين سنة). فإجازة ثلاث سنوات وبأربعة عشرة وحدة في السنة لا تترك الفرصة للطلبة كي يتحصلوا على تكوين رصين، فيكون الامتحان هو الهدف الوحيد من تواجد جميع المرتفقين داخل الكليات، عوض أن تكون عملية التقويم جزءا من التعلم والتكوين، يكون العكس، التعلم جزءا من التقويم. إن عددا كبيرا من الطلبة، حتى المتفوقين منهم، ولأسباب موضوعية وغير موضوعية، أصبح هدفهم “الوحيد” من الدراسة الجامعية هو الدخول لسوق الشغل في أقرب وقت ممكن وبأقل مجهود، وفي كثير من الأحيان بدون التمكن من أي شيء. سياسة الدولة يجب أن تفكر في استفادة الطلبة من تكوين “متين”، إجازة أربع سنوات أو بتعميم سلك الماستر مع اشتراط شهادة الماستر للدخول إلى عدد من الوظائف. إن هذه المسالك المقترحة اليوم في هذا الإصلاح لها نفس طبيعة الشعب التي شرع في اقتراحها ضمن نظام البكالوريوس الذي تم التخلي عنه بعد سنة ونصف من اعتماده، أو بالأحرى من تجريبه، وذلك فقط على مستوى الإسم وعدد سنوات التكوين.
وفي الختام، أين هو موقع الحاصل على البكالوريا المقبل على الدراسة الجامعية من هذا الإصلاح؟ هل شهادة البكالوريا تعبر عن المستوى الحقيقي لحاملها كي يستطيع متابعة دراسته في عدد من التخصصات، خصوصًا العلمية؟ لماذا لا يتم الأخذ بعين الاعتبار الاستعداد، والرغبة، والدافعية، والفروقات الفردية، والعوامل السوسيو- اقتصادية، والمستوى الحقيقي للحاصل على البكالوريا وعلى الإجازة في تحليل وتقييم مردودية التعليم الجامعي ذي الاستقطاب المفتوح؟
كيف لطالب جامعي درس اللغة الفرنسية لأكثر من عشر سنوات خلال مراحل التعليم ما قبل الجامعي، ولا يستطيع حتى التعبير بها – لا كتابيًا ولا شفهيًا – عن فكرة بسيطة، أن يتمكن منها إلى جانب اللغة الإنجليزية بعد خمسة عشر شهرًا (ساعتين أسبوعيًا) من “تعلمهما بتحفّظ” داخل “مدرّج”؟
تعبر المقالات المنشورة في “منتدى الديار” عن رأي أصحابها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الجريدة
