قصبة المولى الحسن بالحاجب.. “قلعة الأطلس” بين أمجاد التاريخ و”مقصلة الإهمال”

​لا يمكن لزائر مدينة الحاجب أن تخطئ عينه تلك الأسوار الشامخة التي تطوق المدينة؛ فهي ليست مجرد حجارة صماء، بل هي نبض الذاكرة الحية. “قصبة المولى الحسن الأول وأسوارها المجاورة” تختزل في ثنايا طينها وتشكيلات أبراجها فصلاً مفصلياً من تاريخ الدولة العلوية. لكن اليوم، لم يعد صوت التاريخ هو الطاغي في المكان، بل صراخ التصدعات والانهيارات التي باتت تهدد بمحو ذاكرة جماعية صمدت لقرن وأربعة عقود.

​”الإهمال”.. عدو صامت 
​فالحصن الذي صمد أمام الغزاة والحروب عبر العقود، بدأ ينهار اليوم أمام “عدو صامت”، الإهمال. فقد تسببت الأمطار الأخيرة في انهيار جزء من برج بالسور التاريخي يوم 8 فبراير، كاشفة عن هشاشة إنشائية بلغت مداها، في ظل غياب أي تدخلات إصلاحية أولية أو حماية مؤقتة. وبينما تتآكل البنية التاريخية، تحولت بعض جنبات المعلمة إلى نقاط سوداء لتراكم النفايات، مما أفقد الموقع وقاره الأثري وهيبته التاريخية.


​إهمال أم تجاهل؟
​سقوط جزء من السور يعكس واقعا مأساويا يعيشه التراث الحضري في الحاجب. ويؤكد خبراء في التراث أن التدخل “الاستعجالي” بات ضرورة قصوى تبدأ بحصر الأضرار وتأمين الموقع، وصولاً إلى إعداد برنامج ترميم يعتمد مواداً أصلية وتقنيات تحفظ الطابع التاريخي.
​ويأتي هذا الوضع في وقت يفرض فيه القانون على الجهات المسؤولة اتخاذ إجراءات احترازية لحماية المواقع المصنفة. وفي المقابل، يثير “زحف الإسمنت” الذي بات يخنق الأسوار قلقاً متزايداً لدى الغيورين على التراث، وسط صمت مطبق من الجهات الوصية.

​العمق التاريخي
​تعد قصبة المولى الحسن الأول واحدة من أهم المعالم العسكرية والتحصينية في تاريخ المغرب الحديث، حيث تأسست عام 1880م (1297هـ) لتكون منشأة دفاعية ضمن “مثلث أمني” يربط العاصمة الإسماعيلية وفاس بتافيلالت.
​وبالعودة إلى الجذور التاريخية، تشير الباحثة صباح سرغيني في دراستها حول “الدينامية الحضرية بالحاجب” (2025)، إلى أن المدينة تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي في عهد الموحدين. وحسب مصادر تاريخية، منها “ليون الإفريقي”، فإن المنطقة تعرضت لهدم شبه كامل بين عامي 1407 و1417 في عهد المرينيين، ولم يتبق منها سوى الأسوار وهياكل المساجد، وظلت تُعرف باسم “جامع الحمام” حتى القرن السادس عشر.


​حماية قانونية في “مهب الريح”
​من الناحية القانونية، فإن أسوار وأبواب وحصون القصبة مصنفة كتراث وطني بظهير صدر عام 1933، وتأكد بقرار وزيري عام 1947. هذا التصنيف يضع المعلمة تحت وصاية القانون 22.80، الذي يلزم الدولة والوزارة الوصية بحماية المواقع المصنفة ومنع أي تغيير في بنيتها أو زحف عمراني يمس بمحيطها.

​مشاريع “تجميلية”
​تتصاعد اليوم تساؤلات مشروعة حول مصير مشروع التأهيل والتثمين الذي أعلن عنه سابقا. ويرى مراقبون أن أي عملية تأهيل لا تضع في حسبانها “العمق البشري” والوضعية السوسيو-اقتصادية للساكنة القاطنة داخل هذه الأسوار، تبقى مجرد عملية “تجميلية” لا تمس جوهر المشكلة. إن الاكتفاء بترميمات جزئية أو واجهاتية، وإغفال تأهيل الأسوار المحيطة بالكامل، يجعل من أي مشروع عملاً ناقصاً يفتقر للشمولية والرؤية المندمجة.

سباق ضد الزمن
​إن إنقاذ قصبة المولى الحسن هو معركة ضد الزمن. وتتوزع المسؤولية اليوم بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجالس المنتخبة، وفعاليات المجتمع المدني، للمطالبة بـ:
مخطط استعجالي لترميم الأسوار المتضررة وتفعيل قوانين حماية التراث لوقف الزحف الاسمتت العشوائي، وتحويل القصبة من “أطلال منسية” إلى “قطب جاذبية سياحي وتنموي”.
​إن ضياع قصبة الحاجب ليس مجرد خسارة لمعلمة أثرية، بل هو “بتر” لجزء من الذاكرة الوطنية. فهل تتحرك الجهات المعنية لرد الاعتبار لهذا الحصن الشامخ، أم سننتظر حتى تتحول “هوية المدينة” إلى مجرد ركام من التراب؟