حفل “عقيقة” يتحول إلى مأساة إنسانية؟.. النيابة العامة تبحث عن “الجاني” في فاجعة “العزيب” بفاس
لم تكن ليلة أمس الثلاثاء 09 دجنبر الجاري مجرد ليلة شتوية عادية في تجزئة المستقبل بحي المسيرة بفاس.. فقد كانت ليلة اختلط فيها الغبار بالبكاء، والذهول بصمت ثقيل يخنق الأنفاس. فجأة، سقط منزلان فوق من كانوا يبحثون عن الدفء داخل جدران اعتقدوا أنها تحميهم، ليجدوا أنفسهم أمام واحدة من أبشع المآسي الإنسانية التي عرفها الحي.
22 روحا رحلت في لحظة، أطفال ونساء ورجال، فيما نقل 16 جريحا تتقاذفهم صدمة النجاة، والحصيلة ما تزال قابلة للارتفاع، لتفتح النيابة العامة تحقيقا للبحث عن “القاتل”.
تحقيق قضائي..
بلاغ لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بفاس أجاب عن بعض التساؤلات، ووضع حدا للإشاعات، التي ظلت تتناسل مع جهود فرق الإنقاذ لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، بعد أن تجند الجميع، سلطات محلية ورجال الوقاية المدنية والقوات العمومية بقيادة خالد آيت الطالب، الذي حل بعين المكان، حيث أنهت النيابة العامة إلى الرأي العام أن إحدى البنايات المنهارة كانت فارغة، في حين كانت البناية الثانية تحتضن حفل عقيقة.
وأفاد البلاغ ذاته أنه على إثر الواقعة فقد تم فتح بحث في الموضوع من طرف الشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة، وذلك بغية الوقوف على الأسباب الحقيقية لهذا الحادث والكشف عن ظروفه وملابساته.

تحقيق إداري..
وفي إطار التواصل المؤسساتي دائما، أوضحت السلطات المحلية أن المعطيات الأولية تشير إلى أن البنايات المنهارة تعود عملية تشييدها إلى سنة 2006، في إطار عمليات البناء الذاتي لفائدة قاطني دوار “عين السمن” ضمن برنامج “فاس بدون صفيح”.
وبالموازاة مع البحث القضائي المنجز في الموضوع تحت إشراف النيابة العامة المختصة، فقد تم، يضيف المصدر ذاته، الشروع أيضا في إجراء تحقيقات إدارية وخبرة تقنية عهد بها إلى مكتب دراسات متخصص، بهدف تجميع كافة المعطيات المرتبطة بالحادث، وتحديد الأسباب التقنية الكامنة وراء انهيار البنايتين، والوقوف على كل الاختلالات الإجرائية التي قد تكون شابت المساطر القانونية والضوابط التنظيمية المعمول بها في مجال التعمير والبناء.
وتهدف هذه التحقيقات ذات الطابع الإداري والتقني، حسب السلطات المحلية، إلى توضيح حجم المسؤوليات الإدارية والتقنية التي أفرزتها هذه الواقعة المؤلمة.
عطلة دراسية مأساوية..
جريدة “الديار” استقت شهادات من الجوار أشارت إلى أن حفل العقيقة، الذي تحدث عنه بلاغ النيابة العامة أقيم يوم الأحد، غير أن أفراد العائلة ظلوا على ما يبدو بالمنزل مستغلين العطلة المدرسية، قبل أن تباغتهم الفاجعة.

طوابق تتجاوز كل حدود الترخيص..
كما كشفت مصادرنا أن من أبرز الأسباب المحتملة للكارثة هي العشوائية المتفشية في البناء داخل التجزئة، حيث تسمح الرخص ببناء طابق سفلي وطابقين فقط (R+2)، بينما عمد عدد من السكان إلى إضافة أربعة وأحيانا خمسة طوابق فوق الطابق السفلي، بل أكثر من هذا، فقد ظهرت مطامع أخرى بإتمام الطابق السادس في نفس المنطقة، وسط انتشار شبه كامل للبناء غير القانوني.
غش في مواد البناء..
شهادات أخرى أشارت إلى انتشار كبير لظاهرة الغش في البناء لدى المستفيدين من إعادة تأهيل دور الصفيح سابقا المعروفة بـ”العزيب” بين سنتي 2006 و2007، وهي المنطقة التي أصبحت اليوم تسمى بحي المستقبل الذي شهد هذه الفاجعة، في غياب تام للمراقبة سواء من طرف المنتخبين أو المعينين.

أسئلة تحتاج إلى جواب..
تساؤلات حارقة كانت تطرح بشكل مستمر بعد كل فاجعة مرتبطة بـ”مافيا العقار”، لتعود مرة أخرى إلى الواجهة عقب ليلة أمس السوداء، في الوقت الذي تستعد فيه المملكة ومدينة فاس لاستقبال حدث كاس إفريقيا للأمم، أبرزها: “من سمح ببناء كل تلك الطوابق؟ وكيف غابت أعين السلطات؟، وهل صحيح ما يؤكده بعض سكان المنطقة من أن غضّ الطرف عن الطوابق الإضافية يتطلب رشاوى تتراوح بين 2000 و5000 درهم؟”.
وتابعت مصادرنا المطلعة أن الحصول على عدادات الماء والكهرباء للطوابق غير القانونية يستلزم أيضا مبالغ إضافية تصل إلى 2000 درهم.
مأساة إنسانية بكل المقاييس..
في السياق ذاته، أصدرت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان بلاغا شددت فيه على أن ما حدث يشكل مأساة إنسانية بكل المقاييس، ويعيد إلى الواجهة إشكالات بنيوية عميقة ترتبط بالسكن، مراقبة الجودة، ومحاربة الغش والفساد.
وأكدت الرابطة أن الفاجعة ليست حدثا معزولا، بل تكشف مرة أخرى هشاشة منظومة المراقبة في قطاع التعمير والسكن.
طالبت الرابطة بفتح تحقيق قضائي وإداري عاجل وشامل لتحديد المسؤوليات في منح الرخص، مراقبة الأشغال، وتتبع حالة البنايات. كما طالبت بربط المسؤولية بالمحاسبة دون أي استثناء، سواء تعلق الأمر بمهنيين أو إداريين أو متدخلين آخرين.
ودعت الرابطة إلى تعزيز آليات المراقبة التقنية للبنايات قبل وبعد السكن، ومواجهة الغش في مواد البناء وفي عمليات التشييد، باعتباره جريمة تهدد الحق في الحياة.
كما دعت أيضا إلى خلق لجان يقظة محلية لمراقبة البنايات القديمة والمهددة بالسقوط، وإطلاق برنامج استعجالي لإعادة إسكان الأسر المعنية، مع اعتماد خريطة وطنية للبنايات الآيلة للسقوط وتحيينها سنويا، مشددة على ضرورة إشراك المجتمع المدني والخبراء في صياغة سياسات السكن الآمن.

