اتهامات بتوظيف دعم الصناعة التقليدية انتخابيا.. 100 مليون تشعل الجدل داخل جماعة فاس
صادق مجلس جماعة فاس، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة أمس الثلاثاء، على النقطة المتعلقة بالدراسة والمصادقة على مشروع اتفاقية شراكة تجمع بين جماعة فاس، والمديرية الجهوية للصناعة التقليدية بفاس، وجمعية مركز التكوين والتأهيل في حرف الصناعة التقليدية بفاس.
وأوضح كاتب المجلس، في مذكرة العرض، أن هذه الاتفاقية تأتي في إطار التزام جماعة فاس بالحفاظ على التراث الثقافي والحضاري للمدينة، وتثمين الصناعة التقليدية باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودعم التكوين والتأهيل في مختلف الحرف التقليدية، إضافة إلى مساندة المؤسسات والجمعيات العاملة في هذا المجال. وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز التكوين والتأهيل في الحرف التقليدية، والمساهمة في تثمين المنتوجات التقليدية المحلية، وتعزيز مكانة مدينة فاس كقطب وطني ودولي للصناعة التقليدية.
وخلال المناقشة، اعتبر المستشار محمد خيي أن مثل هذه الاتفاقيات ينبغي أن تسبقها دراسة دقيقة لقياس جدواها وأثرها على الفئة المستهدفة، متسائلا عن نتائج البرامج السابقة قبل تخصيص دعم مالي جديد بقيمة مليون درهم للجمعية. وأكد أن قطاع الصناعة التقليدية يعاني من نقص اليد العاملة، داعيا إلى توجيه الدعم مباشرة إلى المحلات والمقاولات الصغرى التي تشتغل في الزليج والبلغة وغيرها من الحرف، بدل إبرام اتفاقيات وصفها بأنها “على المقاس”، ولاعتبارات انتخابية.
كما أثار المتحدث إشكالية انتشار الآلات الحديثة، خاصة في قطاع الزليج البلدي، معتبرا أنها تهدد الموروث التقليدي وتقصي الصناع الحقيقيين، مطالبا جماعة فاس، في إطار اختصاصاتها المتعلقة بالشرطة الإدارية، بمراقبة المحلات التي تستعمل هذه الآلات والتأكد من توفرها على التراخيص القانونية.
من جانبه، دعا المستشار علي بومهدي إلى سحب النقطة من جدول الأعمال، معتبرا أن توقيت صرف دعم بقيمة مليون درهم لفائدة الجمعية يتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات، متهما الجمعية بالانتماء إلى حزب مشارك في التحالف الحكومي والتحالف المسير للمجلس، ومشددا على أن الاتفاقيات يجب أن تخدم المصلحة العامة بعيدا عن أي حسابات سياسية.
بدوره، عبر المستشار فيصل اللبار عن رفضه تمرير الاتفاقية في الظرفية الحالية، مؤكدا أن الأولوية ينبغي أن تعطى لمعالجة مشاكل الصناع التقليديين بمدينة فاس، خاصة أصحاب المحلات المهددين بالإفراغ بمنطقة لالة يدونة. كما أشار إلى أن مدير معهد التكوين التقني والتقنية للمختصين بفاس سبق أن طلب، بتاريخ 19 يونيو، الاستفادة من خمس قاعات للتكوين دون أن يتلقى أي جواب من مصالح الجماعة، معتبرا أن النقطة كان من الأفضل تأجيلها إلى دورة لاحقة لمناقشتها بشكل أعمق، واصفا إياها بأنها تخدم حملة انتخابية لجهة معينة.
وفي رده على الانتقادات، أوضح رئيس مجلس جماعة فاس عبد السلام البقالي أن الاتفاقية ليست جديدة، بل تعود إلى سنة 2010، حين أبرمت بين وزارة الصناعة التقليدية آنذاك والمجلس وشركائه، والتزم المجلس خلالها بتقديم دعم بقيمة مليون درهم، غير أن المبلغ لم يصرف طوال السنوات الماضية، رغم بقائه مدرجا ضمن التقارير المالية للمؤسسة.
وأضاف البقالي أن المجلس الإداري للمؤسسة، الذي تشارك فيه جماعة فاس، طلب تحيين الاتفاقية لتسوية هذا الالتزام المالي القديم، مشيرا إلى أن مركز التكوين بالبطحاء، الذي يحتضن المشروع، يستفيد منه سنويا أكثر من 650 صانعا تقليديا، مع إمكانية رفع العدد إلى حوالي 1100 مستفيد، يتابعون تكوينا يمتد بين ستة وتسعة أشهر، ويحصلون في نهايته على شواهد الكفاءة المهنية.
من جهته، اعتبر المستشار محمد محدودو أن إحداث مراكز التكوين جاء بعد انخراط المغرب في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمحاربة تشغيل الأطفال، غير أن هذه المراكز، حسب رأيه، لم تحقق النتائج المرجوة في عدد من الحرف المهددة بالاندثار، وعلى رأسها الزليج البلدي، الذي تراجع عدد ممارسيه بشكل كبير.
وأكد أن التكوين داخل المراكز لم يواكب حاجيات القطاع، داعيا إلى ربط التكوين مباشرة بالورشات والمحلات الحرفية، واستقطاب المنقطعين عن الدراسة لمحاربة الهدر المدرسي وتأهيلهم مهنيا. كما أثار من جديد إشكالية انتشار الآلات الحديثة في قطاعات الجبص والخشب والنحاس والزليج، مطالبا بإعادة النظر في منح التراخيص للمحلات التي تستعملها حفاظا على الموروث الثقافي.
وفي تعقيبه، شدد رئيس المجلس على أن إشكالية المكننة ليست وليدة اليوم، بل بدأت منذ سنوات، مؤكدا أن مواجهتها تتطلب تدخل مختلف المؤسسات المعنية.
كما أبرز أن الاتفاقية تتضمن مادة خاصة بإحداث لجنة للتتبع، يمكن أن تضم مستشارين وخبراء في الصناعة التقليدية، لضمان تتبع تنفيذ الاتفاقية وقياس نتائجها على أرض الواقع.
كما أكد البقالي أن التعديلات التي عرفها تسيير الجمعية جاءت لمعالجة حالات التنافي وضمان احترام قواعد المراقبة المالية، نافيا أي علاقة للاتفاقية بالاستحقاقات الانتخابية، ومشددا على أن الأمر يتعلق فقط بتسوية التزام مالي قائم منذ سنوات، معتبرا أن الجوانب الإيجابية للاتفاقية تفوق سلبياتها، خاصة في ما يتعلق بالحفاظ على الحرف التقليدية وتكوين الأجيال الجديدة.
وفي ختام المناقشة، صادق مجلس جماعة فاس على الاتفاقية، حيث تم ذلك بموافقة 15 عضوا، مقابل 8 أعضاء امتنعوا عن التصويت، فيما لم يسجل أي صوت معارض.
