بفاس.. تدشين متحف الثقافة اليهودية المغربية
تم يوم الاثنين بفاس، بأمر من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، تدشين متحف الثقافة اليهودية المغربية، ليشكل فضاء جديدا مخصصا لصون أحد المكونات الأساسية للتراث الوطني وتثمينه، بمختلف أبعاده التاريخية والثقافية والروحية.
ويندرج هذا المتحف في إطار الرؤية الملكية التي تولي أهمية مركزية للحفاظ على مختلف روافد الهوية المغربية وتثمينها، في تنوعها وتكاملها.
وقد جرى تدشين المتحف خلال حفل حضره وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، ورئيس مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، سيرج بيرديغو، ورئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، المهدي قطبي، ووالي جهة فاس-مكناس، عامل عمالة فاس، خالد آيت الطالب، إلى جانب عدد من السفراء والشخصيات البارزة.
ويقع هذا الصرح الثقافي الجديد في قلب الملاح بمدينة فاس، ويتيح للزوار استكشاف تاريخ الوجود اليهودي بالمغرب الممتد لآلاف السنين، من خلال مجموعة متنوعة من القطع التراثية والدينية وأخرى ذات الاستعمالات اليومية، واللقى الأثرية والإثنوغرافية والفنية، فضلا عن الأرشيفات والكتب والمخطوطات النادرة للطائفة اليهودية المغربية.
وأكد أحمد التوفيق في كلمة بالمناسبة أن “تدشين هذا المتحف يجسد تشبث المغرب بقيم التعايش واحترام القيم المشتركة، حتى في فترات عدم اليقين”، مشيرا إلى أن هذه المبادرة، المتجذرة في التاريخ، تتطلع إلى المستقبل وتحمل رسالة تدعو إلى التمسك بالحياة وتعزيز التقارب بين الثقافات.
وأوضح الوزير أن لهذه المبادرة أيضا بعدا رمزيا، من خلال إسهامها في تعزيز التفاهم بين مختلف الطوائف وإبراز تنوع الثقافة اليهودية المغربية، ولاسيما في تجلياتها اللغوية.
وأضاف أن أهمية هذا المشروع تكمن في الاعتراف بالاختلاف الإنساني والقدرة على العيش المشترك في ظل احترام القيم المشتركة، انسجاما مع المرجعية الروحية للمملكة.
من جانبه، أوضح سيرج بيرديغو أن المتحف يشكل فضاء للمعرفة ونقل الذاكرة وتعزيز الحوار، مبرزا غنى الحضارة المغربية وإسهام مختلف مكوناتها في بناء تراث مشترك.
وأبرز أن هذا المتحف يندرج ضمن الرؤية الملكية الرامية إلى صون التراث الوطني وتثمينه، والاعتراف بتعدد روافد الهوية المغربية، مشيرا إلى أن التنوع الثقافي يشكل مكونا أساسيا من مكونات الهوية الوطنية.
واعتبر بيرديغو أن التجربة المغربية تمثل مصدر إلهام في عالم يواجه تحديات تختبر قدرة المجتمعات على التعايش، مضيفا أن معرفة الآخر واحترام الاختلافات والاعتراف بالموروثات المشتركة، كلها عوامل من شأنها الإسهام في بناء مجتمع قائم على السلام والحوار.
من جهته، وصف المهدي قطبي، هذا الصرح بأنه “أنشودة للسلام والأخوة والتعايش والعيش المشترك”.
وأكد أن “فاس تبعث، في هذه الأوقات العصيبة، برسالة قوية إلى العالم”، مبرزا الدلالة الرمزية لهذا المتحف الذي يجسد غنى الهوية المغربية متعددة الروافد، وإسهام مختلف مكوناتها في بناء تاريخ مشترك.
كما سلط الضوء على قرب المتحف من متحف الفنون العربية الإسلامية بحي البطحاء، الذي لا تفصل بينهما سوى مسافة قريبة، معتبرا أن ذلك يتيح حوارا طبيعيا ومنسجما بين الفضاءين، ويعكس غنى التراث المغربي وتنوعه.
وكان الملك محمد السادس قد أعطى انطلاقة أشغال بناء متحف الثقافة اليهودية المغربية خلال زيارته إلى فاس في أبريل 2019، في إطار برنامج تأهيل المدينة العتيقة وتثمين موروثها التاريخي. وشكلت هذه المبادرة أيضا مناسبة لإطلاق أشغال ترميم قصر البطحاء وتحويله إلى متحف للفنون الإسلامية، الذي فتح أبوابه أمام الجمهور سنة 2025.
وأقيم متحف الثقافة اليهودية المغربية على عقار قدمته الطائفة اليهودية بفاس، داخل حي الملاح الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1438. ويعد هذا الحي التاريخي من أقدم الأحياء اليهودية المنظمة بالمغرب، وهو ما يمنح المتحف خصوصية مميزة، إذ يندمج في محيط عمراني ومعماري وديني طبع حياة الطائفة اليهودية بالمدينة.
وشملت أشغال البناء والتهيئة، التي أنجزتها وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، مساحة إجمالية تفوق 1700 متر مربع، منها نحو 1200 متر مربع مخصصة لفضاءات العرض. وقد اكتملت الأشغال في مارس 2023.
ويحتفي التصميم المعماري للمبنى بمميزات الصناعة التقليدية المغربية، ولاسيما الزليج والجبس المنقوش والخشب الملون، التي تتجلى بوضوح في فضاء الاستقبال الداخلي، الذي تتوسطه نافورة من الرخام.
ويمتد العرض الدائم للمتحف على مستويين، مستعيدا مختلف أبعاد الثقافة اليهودية المغربية، من خلال تجاوز الاقتصار على عرض القطع الدينية إلى تقديم صورة متكاملة عن التاريخ الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والروحي.
وينتظم المسار المتحفي حول مجموعة من المحاور، تشمل “المغرب، أرض اللقاء”، والمعالم التاريخية والتسلسل الزمني للأحداث، ومؤسسات الطائفة، والشخصيات البارزة، ومراحل الحياة والمناسبات الدينية على مدار السنة، فضلا عن الصناعة التقليدية.
ويقدم شريط زمني بالطابق الأرضي لمحة عن أكثر من 2500 سنة من الوجود اليهودي بالمغرب، انطلاقا من أقدم الشواهد التاريخية وصولا إلى العصر الحديث، مرورا بتأسيس ملاح فاس ووصول اليهود المطرودين من الأندلس سنة 1492.
ويخصص المتحف حيزا مهما للأعياد اليهودية وللتراث اللامادي المرتبط بها، ولاسيما التقاليد الأسرية والممارسات الدينية والموسيقى والحرف والمهارات التي تناقلتها الأجيال.
(و.م.ع)
