“الديار” تفتح ملف “حراك تاونات”.. “اختلالات” مستمرة ومطالب معلقة بعد مرور سنة؟
بعد مضي سنة على اندلاع فتيل الحراك الاجتماعي بإقليم تاونات، تعود جريدة “الديار” إلى هذا الملف من زاوية تقييم ما أفرزته الاحتجاجات من نتائج، ومدى تفاعل الجهات المعنية مع المطالب التي رفعتها الساكنة، خاصة ما يتعلق بتحسين الخدمات الأساسية وإنهاء مظاهر التفاوت المجالي.
ويأتي هذا التوقف عند حصيلة الحراك في سياق التساؤل عن حجم التغيير الذي عرفه الإقليم، وما إذا كانت الوعود والتعهدات التي تلقتها الساكنة من طرف منتخبيها قد تحولت إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.
وفي سياق استجلاء مآلات هذا الحراك، طرحت جريدة “الديار” سؤال الحصيلة على كل من هشام النية ومحمد الهاشمي، العضوين بلجنة “نداء الكرامة”، للوقوف على تقييمهما لمسار الاحتجاجات منذ انطلاقها، إلى جانب رصد موقفهما من طريقة تعاطي السلطات والمنتخبين مع الملف المطلبي للجنة، ومدى استجابة التدخلات المنجزة لتطلعات ساكنة إقليم تاونات.
هشام النية: لا شيء تغير
كانت شرارة الاحتجاجات قد انطلقت شهر غشت من السنة الماضية، من أمام المستشفى الإقليمي بتاونات، الذي بات معروفا لدى الساكنة بمستشفى “سير لفاس”، بعدما تصاعد الغضب إزاء واقع الخدمات الصحية والاختلالات التي يعرفها القطاع بالإقليم. وشكلت وقفة احتجاجية خيضت يوم 20 من شهر، غشت من السنة الماضية، نقطة انطلاق لمسار نضالي أفرز لجنة للمتابعة حملت اسم “لجنة نداء الكرامة”، تولت تأطير الاحتجاجات وتنظيم محطات نضالية شملت مختلف دوائر الإقليم.
مطالب الحراك لم تظل محصورة في قطاع الصحة، بل اتسعت لتشمل التعليم والطرق والبنيات التحتية والبيئة، تحت شعار العدالة المجالية، في تعبير عن انتظارات ساكنة تطالب بتحسين الخدمات العمومية وضمان توزيع أكثر إنصافا للاستثمارات والتجهيزات الأساسية.
ففي تقييمه لواقع الخدمات الأساسية بعد سنة من الحراك، أكد هشام النية أن الأوضاع بالإقليم لم تعرف أي تغيير يذكر، قائلا: “هو صراحة ما تبدلات حتى حاجة، كلشي باقي كما كان عليه”، مضيفا أن وضعية الطرق ما تزال على حالها، فيما يستمر قطاع الصحة في مواجهة الإشكالات نفسها، ويظل شعار “سير لفاس” عنوانا لمعاناة المرضى واضطرارهم إلى التنقل خارج الإقليم من أجل العلاج.
وبخصوص قطاع التعليم، سجل المتحدث نفسه أن الوضعية خلال الموسم الدراسي الحالي ازدادت تفاقما، مشيرا إلى وجود أقسام تفتقر إلى النوافذ والأسقف والماء والمرافق الصحية، في وقت يقترب فيه فصل الشتاء الذي يعرف تهاطل الأمطار، بما يطرح تحديات إضافية أمام التلاميذ والأطر التربوية. كما نبه إلى استفحال الاكتظاظ، حيث يصل عدد التلاميذ في بعض الأقسام إلى خمسين تلميذا.
أما عن نتائج الحراك، فأكد النية أن التعبئة التي عرفها الإقليم لم تنتج نتائج ملموسة، معتبرا أن الدينامية الاحتجاجية لم تحقق النتائج التي كانت تنتظرها اللجنة والساكنة. كما أشار إلى أن هذه التعبئة لم تنعكس، في نظره، على نتائج الانتخابات، مضيفا أن ما تحقق قد يكون ساهم في الدعوة إلى المقاطعة، دون أن يقابل ذلك بنتائج إيجابية على مستوى المطالب الاجتماعية والتنموية.
وعن طبيعة تفاعل السلطات والمنتخبين مع مطالب اللجنة، عبر هشام النية عن اعتقاده بعدم وجود أي تفاعل يذكر، مؤكدا أنه، حسب تصريحه، لم يتم حتى فتح باب الحوار أو عقد لقاء لمناقشة الملف المطلبي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مآل المطالب التي دفعت الساكنة إلى الاحتجاج.

محمد الهاشمي: سؤال العدالة المجالية لا يزال مفتوحا
من جانبه، أشار محمد الهاشمي إلى أن التدخلات التي عرفتها بعض القطاعات، سواء من خلال تحسين بعض الخدمات الصحية أو إصلاح أجزاء من البنيات التحتية، ظلت محدودة وظرفية، ولم تتحول إلى إصلاحات مستدامة تعالج جذور الاختلالات التي دفعت المواطنين إلى الاحتجاج. واعتبر أن الأوضاع تعود، في حالات عدة، إلى سابق عهدها بمجرد تراجع موجة الاحتجاج، وهو ما يعكس، بحسب تقييمه، محدودية التدخلات الجزئية في معالجة أسباب التهميش وضعف الخدمات العمومية.
واستحضر المتحدث، في هذا السياق، وضعية ثانوية ابن خلدون، التي قال إن بعض أقسامها تضم نحو خمسين تلميذا، إلى جانب إحداث ثلاثة أو أربعة أقسام إضافية تدرس داخل مؤسسة أخرى، وهو ما يفرض على الأساتذة والتلاميذ التنقل بين المؤسستين، ويطرح إكراهات مرتبطة بتنظيم الدراسة وظروف التمدرس.
وشدد الهاشمي على أن الحراك لم يحقق بعد التحول الملموس والمستدام المنتظر في الخدمات العمومية والبنيات التحتية، معتبرا أن الفجوة ما تزال قائمة بين انتظارات الساكنة وما تحقق فعليا على أرض الواقع، رغم ما راكمته التجربة من مكاسب على مستويات أخرى.
وفي مقابل المعطيات التي قدمها النية بشأن نتائج “الحراك، فقد قدم الهاشمي قراءة تركز على ما اعتبره مكاسب حققها الحراك على مستوى الوعي الجماعي والتنسيق بين مختلف مناطق الإقليم، موضحا أن “نداء الكرامة” نجح في كسر جدار الصمت حول واقع التهميش الذي تعيشه مناطق بالإقليم، ونقل قضايا تاونات من دائرة المعاناة المحلية إلى فضاء النقاش العمومي والترافع والاحتجاج.
وأضاف أن الحراك ساهم في توحيد المطالب والنضالات بين عدد من الجماعات والدوائر، بعدما أصبح أبناء مناطق مختلفة يشاركون في المحطات الاحتجاجية المنظمة خارج مناطقهم، وهو ما اعتبره مؤشرا على تنامي الوعي بوحدة الإشكالات التي تواجه الإقليم، وبأن مواجهة التهميش لا يمكن أن تنجح إذا ظلت كل منطقة تخوض معركتها بمعزل عن الأخرى.
كما اعتبر الهاشمي أن من أبرز مكاسب التجربة قدرتها على الاستمرار والصمود رغم ما وصفه بالمنع والتضييق والتشهير ومحاولات التشويش، فضلا عن استقطاب فاعلين وأطر ومثقفين من أبناء الإقليم داخل المغرب وخارجه، ممن انخرطوا في الترافع عن قضايا منطقتهم.
واعتبر المصدر نفسه أن المنع كان، بحسب تقييمه، أبرز الأجوبة الرسمية على عدد من تحركات الحراك، بدل فتح حوار جدي ومسؤول حول المطالب المطروحة. كما تحدث عن مبادرات للتواصل قال إنها رافقتها محاولات للالتفاف على لجنة المتابعة وتفكيكها، عوض التعامل معها باعتبارها طرفا في حوار حول قضايا الإقليم.
ولم يفت الهاشمي الإشارة إلى تسجيل بعض الاستجابات الظرفية والمؤقتة، من خلال تدخلات لتحسين بعض الخدمات الصحية والقيام بأشغال لإصلاح أجزاء من البنيات التحتية، لكنه اعتبر أن هذه الإجراءات لم ترق إلى مستوى الإصلاحات المستدامة القادرة على معالجة جذور الاختلالات.
وإلى جانب المطالب المرتبطة بالصحة والتعليم والطرق، توقف محمد الهاشمي عند الدينامية التضامنية التي تواصلت بعد ذلك، من خلال التعبئة لمساندة المتضررين من فيضانات إقليم تاونات، معتبرا أن هذه التجربة ساهمت في توسيع دائرة التضامن والترافع، واستقطاب عدد من الهيئات السياسية والمدنية والحقوقية، إلى جانب تعبئة مؤسسات رسمية حول معاناة المتضررين ومطالبهم.
ويرى الهاشمي أن أثر الحراك لم يقتصر على الاحتجاجات التي قادها أو المطالب التي رفعها، بل امتد إلى إنتاج أشكال جديدة من التضامن والتنسيق والعمل الجماعي، وتعزيز قناعة جماعية بأهمية الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمجالية ومساءلة الجهات المسؤولة عن تدبير الشأن العام.
وختم محمد الهاشمي تصريحه لجريدة “الديار” بالقول: ” سنة مرت على انطلاق الحراك، لكن سؤال العدالة المجالية ما يزال مفتوحا.. هل تختار الجهات المسؤولة الإنصات والاستجابة الفعلية، أم تستمر في سياسة التجاهل إلى أن يعود الشارع ليرفع صوته من جديد؟”.
