رشيد نجمي يكتب: عقدة “موليير”.. أو سيكولوجيا العنف الرمزي واغتراب اللسان في المتخيل المغربي

في العيادة النفسية غير المعلنة لليومي المغربي، لا تتحدد قيمة الفرد بما يحمله من أفكار أو قيم إنسانية، بل بطبيعة “النسق اللغوي” الذي يخرج من شفتيه. في الإدارات، والمؤسسات البنكية، والمقاهي المصنفة، وحتى في الصالونات الثقافية، تتحول اللغة من مجرد أداة للتواصل ونقل المعرفة إلى وسيلة للهيمنة، وسلاح صامت يمارس تمييزا طبقيا قاهرا. لقد استوطنت في البنية النفسية للمجتمع حالة يمكن تسميتها بـ “عقدة موليير”؛ حيث تحولت اللغة الفرنسية من خيار لساني إلى قناع سيكولوجي للتعالي، ومعيار لقيمة الإنسان ومكانته الاجتماعية.

اللسان كأداة للفرز الطبقي والقهر النفسي:

إذا كان عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو قد ينظر إلى اللغة كأحد أهم أشكال “الرأسمال الثقافي”، فإن استحضار مفهومه الشهير “العنف الرمزي” (Violence symbolique) يصبح ضروريا لتشريح الواقع المغربي. العنف الرمزي هو ذلك القهر الناعم الذي يمارسه المتغلب دون حاجة إلى سلاح، ويتقبله المقهور بإذعان خفي.
حين يضطر المواطن المغربي إلى التلعثم بلغة لسانها ليس لسانه لإنجاز وثيقة إدارية أو طلب خدمة في مصحة خاصة، يقع ضحية لهذا العنف. هنا، تستخدم لغة “موليير” كجدار عازل لحماية الامتيازات الطبقية، ولإشعار الطرف الآخر بالدونية والضعة. إن استخدام اللغات الأجنبية في سياقات لا تتطلب ذلك ليس علامة على التفتح أو الثقافة، بل هو ميكانيزم دفاعي يرتديه الفرد لإرهاب الآخر وتجريده من سلطة الكلام.

“الحشومة اللغوية” واغتيال العفوية:

تولد هذه العقدة حالة مرضية من الخوف النفسي يمكن تسميتها بـ “الحشومة اللغوية”. الشاب المغربي قد يمتلك أفكارا نيرة وتحليلا عميقا، لكنه يفضل الصمت والانزواء في الاجتماعات واللقاءات التنافسية خوفا من الوقوف في خطأ نحوي أو زلة لسان بالفرنسية.
هذا الرعب من نظرة الآخر وتندر أقرانه يغتال الفردانية والعفوية بدم بارد. يقع الفرد هنا في فخ “الاغتراب اللغوي”؛ فهو يتنكر لدارجته أو أمازيغيته التي يحلم ويفكر بها، ويبذل طاقة نفسية هائلة لاستعارة لسان أجنبي لمجرد حماية أمنه النفسي الهش وإرضاء الرقيب الطبقي. إننا أمام مجتمع يحاكم “المغلاف” و”النطق” قبل أن يستمع إلى جوهر الفكرة ومعناها.

نحو التحرر من سلطة اللسان المستعار:

إن تشريح هذه العقدة لا يعني بأي حال من الأحوال الدعوة إلى الانغلاق أو معاداة التعلم؛ فالانفتاح على اللغات الحية ضرورة معرفية واقتصادية لا مناص منها. المعركة الحقيقية هي ضد “الاستلاب النفسي” الذي يجعل من اللغة مسطرة لقياس كرامة الذات والتعالي على أبناء الوطن.
يتطلب التحرر من “عقدة موليير” تصحيحا شجاعا لمنظومة التقييم الذاتي والمجتمعي. نحتاج إلى إدراك أن اللغات هي أدوات للتفكير والبناء وليست صكوك غفران طبقية. إن استعادة ثقتنا النفسية تبدأ حين نتعامل مع لغات العالم بفضول الباحث وندية الواثق، لا بخضوع المبهور.
ختاما، إن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في عمق وعيه وأصالة طرحه، لا في عدد الكلمات الأجنبية التي يحشرها في جملة واحدة ليداري بها هشاشته النفسية. ولن يتحرر المتخيل المغربي من قيود هذا العنف الرمزي إلا يوم ندرك أن اللسان الأجنبي قد يمنحك منفذا إلى المعرفة، لكنه لن يمنحك أبدا كرامة إن كنت تبخس لسانك وأرضك.

تعبر المقالات المنشورة في منتدى الديارعن رأي أصحابها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الجريدة