محمد الطبيب يكتب: طفل يفترش الأرض أمام مستعجلات فاس.. من يحاسب المسؤول عن إهانة كرامة المغاربة؟

مرة أخرى، تستيقظ مدينة فاس على واقعة صادمة تهز الضمير الإنساني قبل أن تثير الجدل الحقوقي والسياسي. طفل لا يتجاوز عمره عشر سنوات، أصيب بكسر في الجمجمة إثر حادثة سير بمدينة تازة، يحمل على وجه السرعة إلى المستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس، المؤسسة التي يفترض أن تكون عنوانا للنجدة والأمل وإنقاذ الأرواح. لكن ما وجده الطفل وعائلته لم يكن سريرا للعلاج ولا فريقا للتكفل السريع، بل ساعات طويلة من الانتظار والمعاناة وهو يفترش الأرض أمام باب المستعجلات.
إذا صحت المعطيات المتداولة، فإن الأمر لا يتعلق بخطأ بسيط أو هفوة عابرة، بل بمؤشر خطير على وجود اختلالات عميقة في منظومة الاستقبال والتكفل بالحالات المستعجلة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والحالات الحرجة التي لا تحتمل التأجيل أو التسويف.
إن الصورة التي تناقلها المواطنون ليست مجرد مشهد عابر، بل هي مرآة تعكس حجم الهوة بين الشعارات المرفوعة حول الحق في الصحة وواقع الممارسة اليومية داخل بعض المؤسسات العمومية. فكيف لطفل مصاب بكسر في الجمجمة أن ينتظر ساعات طويلة قبل تلقي الرعاية؟ وكيف يمكن لمستشفى جامعي يعد من أكبر المؤسسات الصحية بالمملكة أن يجد نفسه في قلب اتهامات تتعلق بعدم التكفل السريع بحالة استعجالية؟
الخطير في هذه الواقعة أنها لا تمس أسرة واحدة فقط، بل تضرب في العمق ثقة المواطنين في المرفق الصحي العمومي. فحين يشعر المواطن أن حياته أو حياة أبنائه قد تصبح رهينة للاكتظاظ أو سوء التدبير أو ضعف التنسيق، فإن الإحساس بالأمان الصحي يتآكل، وتتحول المؤسسات التي أنشئت لحماية الإنسان إلى مصدر للقلق والخوف.
الدستور المغربي واضح عندما نص على الحق في العلاج والحماية الصحية، والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب تؤكد ضرورة منح الأطفال عناية خاصة وحماية معززة. لذلك فإن أي تقصير محتمل في التكفل بحالة طفل مصاب يستوجب كشف الحقيقة كاملة، بعيدا عن لغة التبرير أو محاولة طي الملف بالنسيان.
المطلوب اليوم ليس فقط فتح تحقيق إداري وطبي نزيه ومستقل، بل مساءلة حقيقية لكل من ثبت تقصيره، مع نشر نتائجه للرأي العام بكل شفافية. كما أن الواقعة تفرض إعادة تقييم شاملة لمنظومة تدبير المستعجلات بالمستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس، والوقوف عند مكامن الخلل في الموارد البشرية والتنظيمية واللوجستيكية.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق الإصلاح الجذري. فالمؤسسات الصحية الكبرى تحتاج إلى حكامة حديثة وقيادات ميدانية قادرة على اتخاذ القرار السريع، وتعبئة الموارد، ووضع كرامة المريض فوق كل اعتبار. فنجاح أي إصلاح صحي لا يقاس بعدد البنايات والتجهيزات فقط، بل بمدى احترام كرامة الإنسان لحظة ضعفه وحاجته إلى العلاج.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية، تبقى صورة ذلك الطفل وهو يفترش الأرض أمام باب المستعجلات وصمة مؤلمة في جبين المنظومة الصحية، ورسالة قوية إلى كل المسؤولين بأن كرامة المواطن ليست امتيازا يمنح، بل حقا دستوريا لا يقبل التأجيل أو المساومة.
فإذا كان المستشفى هو الملاذ الأخير للمواطن، فمن يحمي المواطن عندما يصبح الملاذ نفسه عاجزا عن حمايته؟

* جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان

تعبر المقالات المنشورة في منتدى الديارعن رأي أصحابها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الجريدة