محمد الطبيب يكتب: قبل تعديل القوانين.. هل نمتلك الشجاعة لإصلاح المؤسسات؟

ليست كل مراجعة للقوانين إصلاحا، وليس كل تعديل تشريعي مدخلا بالضرورة إلى تطوير المؤسسات. فقد تتغير المواد والفصول، وتتبدل الصيغ القانونية، وتعاد هندسة بعض المقتضيات الانتخابية، بينما تظل الاختلالات العميقة التي تعاني منها المؤسسات المنتخبة قائمة، وتستمر الفجوة بين انتظارات المواطنين وأداء المجالس، وبين الاختصاصات الممنوحة دستوريا والقوة الفعلية المتاحة لممارستها.
من هذا المنطلق، ينبغي التعامل مع المشاورات التي أطلقتها وزارة الداخلية مع الأحزاب السياسية بشأن مراجعة النصوص المنظمة للاستحقاقات الانتخابية والجماعات الترابية والغرف المهنية باعتبارها لحظة سياسية ومؤسساتية تتجاوز مجرد الاستعداد لانتخابات 2027.
إننا أمام فرصة تستدعي نقاشا وطنيا مسؤولا حول مستقبل الديمقراطية المحلية والجهوية، وحول مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على إنتاج التنمية، والاستجابة لحاجيات المواطنين، وترسيخ الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.

من هندسة الانتخابات إلى إصلاح التمثيلية

لا يمكن اختزال إصلاح المنظومة الانتخابية في النقاش حول القاسم الانتخابي أو العتبة أو طريقة توزيع المقاعد، رغم أهمية هذه القضايا وتأثيرها المباشر في تشكيل المجالس المنتخبة.
فالسؤال الأعمق هو؛ كيف نضمن أن تعكس المؤسسات المنتخبة الإرادة الحقيقية للناخبين، وأن تتحول نتائج الانتخابات إلى مجالس قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية وتنفيذ البرامج؟
إن أي مراجعة للقانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية مطالبة بتحقيق التوازن بين عدالة التمثيلية وفعالية المؤسسات، مع ضمان الشفافية في احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، وتحصين العملية الانتخابية من المال غير المشروع واستعمال النفوذ واستغلال الإمكانات العمومية.
كما أن تخليق الحياة الانتخابية لا ينبغي أن يظل شعارا موسميا، بل يتطلب قواعد واضحة وفعالة لمراقبة تمويل الحملات، وتكريس تكافؤ الفرص بين المرشحين، وتعزيز الرقابة على مراحل التصويت والفرز وإعلان النتائج.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن تغيير آليات توزيع المقاعد وحده كفيل بإنتاج مشهد سياسي أكثر فعالية؛ فالمسألة ترتبط أيضا بجودة النخب، وديمقراطية الاختيار الحزبي، ومدى ارتباط المنتخبين بقضايا المواطنين ومجالاتهم الترابية.

الجهوية المتقدمة… اختصاصات على الورق أم سلطة فعلية للتنمية؟

إذا كانت الجهوية المتقدمة أحد الاختيارات الاستراتيجية للمملكة، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إعادة تأكيد هذا الاختيار، بل في تقييم ما تحقق منه، وتحديد مكامن التعثر، والانتقال من النصوص المؤسسة إلى الممارسة الفعلية.
لقد منح القانون التنظيمي رقم 111.14 الجهات اختصاصات ذاتية ومشتركة ومنقولة، غير أن فعالية هذه الاختصاصات تظل مرتبطة بتوفير الموارد المالية والبشرية والوسائل التقنية الضرورية لممارستها.
فلا يمكن مطالبة مجالس الجهات بتحقيق التنمية دون تمكينها من أدوات التنفيذ، ولا يمكن الحديث عن نقل الاختصاصات في غياب وضوح المسؤوليات والموارد والآجال.
إن المطلوب هو إقرار مبدأ واضح؛ لا اختصاص دون موارد، ولا برنامج تنموي دون تمويل، ولا اتفاقية دون التزامات قابلة للقياس والتقييم.
كما يتعين تعزيز التنسيق بين الدولة والجهات، وتطوير آليات التعاقد، وربط المشاريع المبرمجة بمؤشرات الإنجاز والأثر، حتى لا تتحول برامج التنمية الجهوية إلى وثائق تخطيطية لا تعكس بالضرورة حجم التحول الذي ينتظره المواطنون.

الجماعات الترابية… أزمة تدبير أم أزمة إمكانات؟

في كثير من الجماعات، خصوصا بالمناطق القروية والجبلية، لا ترتبط الصعوبات فقط بضعف التدبير، بل أيضا بمحدودية الموارد المالية والبشرية، واتساع المجال الترابي، وتراكم الخصاص في البنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية.
وهنا تبرز ضرورة مراجعة القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، ليس فقط لتطوير مساطر التداول واتخاذ المقررات، وإنما لتقوية القدرة الفعلية للجماعات على تقديم الخدمات والاستجابة للحاجيات اليومية للساكنة.
إن الجماعة ليست مجرد مؤسسة إدارية لتدبير الإنارة والنظافة والطرق، بل هي مؤسسة منتخبة يفترض أن تكون في قلب التنمية المحلية.
ومن ثم، فإن إصلاحها ينبغي أن يشمل تطوير مواردها الذاتية، وتحديث نظام الجبايات المحلية، وتحسين استخلاص الرسوم، وتقوية الإدارة الجماعية، وتبسيط المساطر، وتعزيز الرقمنة والشفافية.
كما ينبغي إعادة التفكير في آليات التضامن بين الجماعات، خاصة تلك التي تعاني ضعف الوعاء الجبائي ومحدودية الموارد، حتى لا تتحول اللامركزية إلى إعادة إنتاج للفوارق المجالية.

العمالات والأقاليم… الحلقة التي تحتاج إلى إعادة الاعتبار

يستدعي النقاش حول القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم وقفة خاصة، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه المؤسسات في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، خصوصا في العالم القروي والمناطق الجبلية.
فالتنمية الترابية لا يمكن أن تعتمد فقط على الجهة والجماعة، بل تحتاج أيضا إلى مستوى وسيط قادر على تنسيق المشاريع المشتركة، وتوجيه تدخلات التضامن الترابي، ومواكبة الجماعات التي تعاني خصاصا في الإمكانات.
ومن الضروري أن تتحول برامج تنمية العمالات والأقاليم إلى أدوات عملية لتقليص العزلة وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، من خلال دعم النقل المدرسي، والمسالك القروية، والخدمات الاجتماعية، والمشاريع المشتركة بين الجماعات.
إن استمرار التفاوت بين المجالات الترابية يفرض مراجعة أدوات التخطيط والتوزيع، واعتماد معايير موضوعية تأخذ بعين الاعتبار الفقر والهشاشة والعزلة الجغرافية والكثافة السكانية والخصاص في التجهيزات.

الغرف المهنية… تمثيلية تحتاج إلى تجديد الوظيفة

أما الغرف المهنية، فإن مراجعة النصوص المنظمة لها ينبغي ألا تقتصر على الجوانب المرتبطة بانتخاب أعضائها وتوزيع المقاعد، بل يجب أن تطرح سؤالاً جوهريا حول طبيعة الوظيفة الاقتصادية والتنموية التي يفترض أن تؤديها.
فالغرف المهنية مطالبة بأن تكون أكثر من مؤسسات للتمثيل؛ ينبغي أن تتحول إلى فضاءات فعلية للدفاع عن مصالح التجار والصناع والحرفيين والفلاحين والمهنيين، ومواكبة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والمساهمة في التكوين والتأهيل والتسويق والوساطة الاقتصادية.
ومن هنا تبرز أهمية تحيين اللوائح الانتخابية المهنية، وضمان تمثيلية عادلة لمختلف الفئات، خصوصا المهنيين الصغار والحرفيين والنساء والشباب، وتعزيز الشفافية في التدبير المالي والإداري.
كما ينبغي التفكير في آليات جديدة لتقييم أداء الغرف المهنية، وربط مسؤولية أجهزتها المنتخبة بحصيلة ملموسة من الخدمات والبرامج والمبادرات الاقتصادية.
فلا معنى لتمثيلية مهنية لا تنعكس على حياة المهنيين، ولا جدوى من مؤسسة لا يشعر المنتسبون إليها بأنها تدافع عن مصالحهم وتواكب تطور أنشطتهم.

تحذير من إصلاح شكلي يعيد إنتاج الاختلالات

إن أخطر ما يمكن أن تفضي إليه هذه المشاورات هو الاكتفاء بتعديلات جزئية تستجيب لحسابات انتخابية ظرفية، دون معالجة الأسباب الحقيقية لتعثر بعض المؤسسات المنتخبة.
فإصلاح القوانين لا ينبغي أن يكون وسيلة لإعادة توزيع المواقع أو هندسة التوازنات الحزبية، بل يجب أن يكون مدخلا لتطوير قواعد التمثيلية والمساءلة والحكامة والنجاعة.
كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بالانتقال من تقديم مقترحات مرتبطة بمصالحها الانتخابية المباشرة إلى تقديم رؤى تشريعية تستحضر المصلحة العامة ومستقبل المؤسسات.
والأمر نفسه ينطبق على المنتخبين والفاعلين المهنيين والخبراء والباحثين والمجتمع المدني، الذين ينبغي أن ينخرطوا في هذا النقاش انطلاقا من تقييم موضوعي للتجربة، لا من الدفاع عن مواقع أو مصالح ضيقة.

ما الذي ينبغي أن ينتظره المواطن من هذا الإصلاح؟

ينبغي أن تكون الإجابة واضحة: مواطن يريد جماعة تستجيب لمطالبه، وجهة قادرة على جذب الاستثمار، وعمالة أو إقليما يساهم في فك العزلة، وغرفة مهنية تدافع عن مصالحه، ومؤسسة منتخبة يمكن محاسبتها على ما أنجزته وما لم تنجزه.
ولتحقيق ذلك، أقترح أن تتجه المراجعة التشريعية إلى خمسة رهانات أساسية:
تخليق العملية الانتخابية: عبر تحصين النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص ومحاربة المال غير المشروع.
تقوية المؤسسات المنتخبة؛ عبر ربط الاختصاصات بالموارد والوسائل، وتوضيح المسؤوليات.
إرساء حكامة قائمة على النتائج؛ من خلال برامج قابلة للقياس وتقارير سنوية ومؤشرات أداء واضحة.
تحقيق العدالة المجالية؛ عبر توجيه الاستثمار العمومي إلى المجالات الأكثر خصاصا، وتطوير آليات التضامن الترابي.
تجديد النخب والتمثيلية؛ عبر فتح المجال أمام الكفاءات والنساء والشباب والمهنيين، وتعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب.

رسالة إلى صناع القرار والمتدخلين

إن المشاورات التي تقودها وزارة الداخلية تضع مختلف الفاعلين أمام مسؤولية تاريخية؛ إما أن تكون مناسبة لتأسيس جيل جديد من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، أو أن تتحول إلى محطة تقنية عابرة تسبق استحقاقات انتخابية جديدة دون أن تغير جوهر الممارسة السياسية والترابية.
إن المطلوب اليوم ليس فقط تعديل القوانين، بل مراجعة الفلسفة التي تحكم العلاقة بين الدولة والمؤسسات المنتخبة، وبين المنتخب والمواطن، وبين الاختصاص والموارد، وبين التمثيلية والمحاسبة.
وإذا كانت الانتخابات تمنح الشرعية للمؤسسات، فإن قدرتها على الإنجاز هي التي تمنحها المصداقية والاستمرارية.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في إنتاج مجالس جديدة بالأسماء نفسها والعقليات نفسها وآليات التدبير نفسها، وإنما في بناء مؤسسات قادرة على تحويل الاختيار الديمقراطي إلى تنمية ملموسة، وتحويل المسؤولية الانتدابية إلى التزام تعاقدي قابل للتقييم والمحاسبة.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى قوانين انتخابية أفضل، بل يحتاج إلى مؤسسات منتخبة أكثر قوة ونجاعة، ونخب أكثر مسؤولية، وديمقراطية ترابية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من شجاعة الاعتراف بالاختلالات، وينجح بجرأة اقتراح البدائل، ويكتمل بربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.

* جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان

تعبر المقالات المنشورة في “منتدى الديار” عن رأي أصحابها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الجريدة