ريم و”العيش في جلباب” أبيها

ثمة شخصيات سياسية لا تنتهي حين تخسر منصبا، وإنما تبدأ نهايتها الحقيقية حين تفقد القدرة على إقناع الناس بأن ما تفعله امتداد لقناعة، لا بحث محموم عن موقع، وحين يسقط القناع، لا يبقى من “الظاهرة” سوى سؤال مؤلم: هل كان الرجل يصنع السياسة، أم كانت السياسة تصنعه ثم تخلت عنه حين انتهت حاجتها إليه؟

حميد شباط واحد من أكثر الأسماء إثارة للجدل في المشهد السياسي الفاسي، خصوصا، والمغربي، عموما، خلال العقود الأخيرة. صعد من مواقع نقابية وتنظيمية إلى قيادة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، ثم إلى الأمانة العامة لحزب الاستقلال، وتولى عمودية فاس لولايتين؛ فكان، في مرحلة معينة، رقما صعبا، وصوتا مرتفعا، وشخصية قادرة على صناعة الحدث، بل وعلى صناعة “اللغط” أيضا.

لكن التاريخ السياسي لا يكتفي بتسجيل لحظة الصعود؛ إنه ينتظر دائما لحظة الانكشاف، فبعد هزيمة 2016 النكراء، انكمش الحضور، وانسحب الرجل من المشهد، “متخليا” عمن قدموا أصواتهم له، ليعود في 2021 من بوابة سياسية مغايرة، واضعا تجاربه ومراكزه القيادية السابقة جانبا، في محاولة لاستعادة “عمودية” العاصمة العلمية، من خلال جبهة القوى الديمقراطية، هو وبعض المقربين منه، لتنتهي المحاولة بخسارة مدوية أمام “تلاميذه”، ليغادر مرة أخرى الساحة، في خذلان جديد لـ”الأنصار” و”التابعين”.

اليوم، يعود الرجل مرة أخرى، من بوابة الحركة الشعبية، داعما ترشح ابنته ريم.

المشكلة هنا ليست في حزب “السنبلة”، ولا في حزب “الزيتون”، ولا في أي حزب آخر؛ فالأحزاب مؤسسات، والسياسة مجال مفتوح للاجتهاد والتحالف والاختلاف وإعادة التموضع، المشكلة في المعنى السياسي الذي تنتجه هذه الرحلات المتتالية بين الألوان والواجهات.

فالسياسي يمكن أن يغير موقعه، لكن هل يستطيع أن يغير قناعته بالسرعة نفسها؟

يمكن أن يغادر حزبا، لكن هل يستطيع أن يغادر تاريخه معه؟

يمكن أن يعيد ترتيب تحالفاته، لكن هل يستطيع أن يعيد ترتيب ذاكرة الناس؟

السياسي الذي تتحول عنده الأحزاب إلى مجرد مركبات عبور، والألوان إلى جوازات سفر نحو موقع محتمل، لا يعود معنيا بفكرة المؤسسة، بقدر ما يصبح معنيا بموقعه داخلها، وحين يصبح الموقع غاية، تصبح الوسيلة قابلة للتبديل بلا نهاية.

فالقوة السياسية ليست في القدرة على العودة بعد كل سقوط؛ القوة في أن تعرف لماذا سقطت، وأن تمتلك شجاعة النقد الذاتي قبل أن تطالب التاريخ بإعادة الاعتراف بك.

أما أن يعود السياسي بعد كل “مهزلة” بالخطاب نفسه، وبالمنطق نفسه، وبالرغبة نفسها في استعادة الماضي، دون أن يقدم للناس تفسيرا لما حدث، فذلك ليس إصرارا على المبدأ؛ قد يكون أحياناً مجرد عجز عن الاعتراف بأن الزمن قد تجاوز صاحبه.

لقد كانت لشباط لحظة سياسية حقيقية، ولا أحد يستطيع محوها من التاريخ. لكنه أخطأ، كما يخطئ كثيرون، حين اعتقد أن امتلاك لحظة من التاريخ يعني امتلاك التاريخ نفسه، والفرق شاسع بين الاثنين.

كانت هناك ظروف سياسية وتنظيمية ونقابية معينة صنعت صعود الرجل، كما صنعت شبكة من العلاقات والتوازنات والحسابات التي جعلت منه في مرحلة ما واجهة قوية ونافذة، لكن السياسي الناضج يعرف أن الظرف ليس هو الشخص، وأن الموقع ليس دليلا على الاستحقاق الأبدي، وأن النفوذ الذي تمنحه التوازنات لا يتحول بالضرورة إلى مجد شخصي قابل للتوريث.

السياسة لا تخلد الأشخاص، وإنما تختبرهم، والاختبار الحقيقي ليس في الصعود، وإنما في القدرة على تفسير السقوط.

فالانتخابات بطبيعتها تمنح وتمنع، ترفع وتخفض، وليس العيب أن يغير حزبا إذا امتلك شجاعة إعلان أسبابه ومراجعة مواقفه أمام الناس، العيب أن يتحول تغيير المواقع إلى عادة، وأن تصبح القناعة مجرد اسم مستعار للمصلحة، وأن يتحول التاريخ الشخصي إلى رأسمال يستنزف في كل محاولة جديدة للعودة.

والأشد إيلاما أن يتحول الأب، بدل أن يترك لابنته حق صناعة مشروعها السياسي المستقل، إلى ظل ثقيل يرافقها من لون إلى لون، ومن تجربة إلى أخرى؛ فتبدو المعركة وكأنها ليست من أجل مشروع جديد، وإنما من أجل استعادة مجد عائلي قديم عبر واجهة جديدة،

وهنا لا تعود القضية مسألة دعم أب لابنته، بل تصبح قضية ثقافة سياسية بأكملها ما زالت تعاني من “تقديس” الأشخاص، ومن الاعتقاد بأن الاسم وحده يمكن أن يكون مشروعا، وأن “الخلف” لا يمكن أن يكون بديلا عن “السلف”. فالسياسة، حين تفقد قدرتها على إنتاج المعنى، تتحول إلى حنين “مرضي” إلى الأضواء والسلطة.

لقد انتهى زمن كان فيه “الصراخ” العالي ينتج الهيبة، وكانت فيه المناصب تنتج الأسطورة، وكان فيه الاسم وحده كافيا لإعادة تعبئة الأنصار.

ولذلك فإن السؤال لم يعد: ما الذي سيقدمه حميد شباط للسياسة اليوم؟

وإنما، ألا تستطيع ريم التحرك سياسيا بدون “ولي أمرها”؟، وماذا ستقدم لساكنة فاس، وللمغاربة، بعيدا عن “جلباب أبيها”؟.