رشيد نجمي يكتب: سيكولوجيا المغاربة.. أوجاع الذهن بين “بخور” الضريح و”مشرط” العيادة
على إيقاع تحولات مجتمعية طاحنة، وفي خضم لهاث يومي وراء متطلبات حداثة مادية قاسية، يقف الإنسان المغربي المعاصر على حافة تشظ نفسي صامت. خلف الوجوه المبتسمة في شوارعنا، ووراء الأبواب المغلقة للبيوت، تتوارى أرواح منهكة وأذهان مثقلة بصراعات لا تجد لها منفذا للتعبير. إن تشريح واقع علم النفس في المغرب ليس مجرد استعراض لأرقام أو رصد لحالات مرضية، بل هو غوص جريء في غياهب “المتخيل الجمعي” المغربي؛ ذلك المسرح المعقد الذي تتصادم فيه خرافات الأمس مع صدمات اليوم، وتتأرجح فيه الذات بين سلطة الغيب وصرامة العلم.
غير أن الحديث عن علم النفس في المغرب لا ينبغي أن ينطلق من موقع الإدانة، بل من موقع الفهم. فالمغربي حين يلجأ إلى الصمت، أو إلى التأويلات الشعبية، أو إلى أبواب غير علمية بحثا عن خلاص روحي، لا يفعل ذلك دائما عن جهل بسيط، بل أحيانا لأنه لم يجد أمامه مؤسسات قريبة، ولا لغة مطمئنة، ولا عيادة مفتوحة في وجه هشاشته. لذلك فإن سؤال الصحة النفسية في المغرب هو، في عمقه، سؤال ثقافة وعدالة وكرامة إنسانية.
جراح الذهن في ضيافة “الفقيه” قبل الأخصائي:
لا تزال البنية الذهنية المغربية تقارب الألم النفسي بكثير من الريبة والوجل. فعندما تنكسر الروح وتتبدى أعراض الاكتئاب أو القلق، لا تتجه بوصلة العائلة المغربية تلقائيا نحو عيادة الأخصائي/الطبيب النفسي، بل تنعطف في الغالب الأعم- نحو الزوايا، والأضرحة، وغرف “الرقية”.
هنا، في عتمة هذه الفضاءات المثقلة برائحة البخور والتعاويذ، يسلب المريض فاعليته، وتحال أوجاعه إلى قوى ميتافيزيقية غامضة: “مس شيطاني”، “عين حاسدة”، أو “سحر أسود”. إن اللجوء إلى هذه الممارسات ليس مجرد جهل، بل هو محاولة بائسة للهروب من “وصمة العار(Stigmatisation)” .فالمجتمع يغفر لك أن تكون “ممسوسا” تتقاذفك الأرواح الخفية، لكنه لا يرحمك إن أُعلنت “مريضا نفسيا”؛ إذ تنهال عليك أحكام الجنون، وتضرب حولك أسوار من الشفقة القاتلة أو الإقصاء المرير.
غير أن اختزال الأمر في الخرافة وحدها سيكون ظلما لفئات واسعة من المغاربة. فكثيرون لا يطرقون باب العيادة النفسية لا لأنهم يرفضون العلم، بل لأن العيادة بعيدة أو مكلفة أو غير متاحة أصلا. حين يصبح ثمن الجلسة الواحدة عبئا على أسرة تكافح من أجل ضروريات العيش، وحين تغيب خدمات القرب في الأحياء الهامشية والقرى، يجد الألم النفسي نفسه مدفوعا إلى أرخص الأبواب وأكثرها حضورا في المخيال الشعبي. لذلك فإن معركة الصحة النفسية في المغرب ليست معركة وعي فقط، بل معركة عدالة اجتماعية أيضا.
نظريات مستوردة تبحث عن “دارجة” تبوح بها:
وإذا ما استطاع المريض النجاة من مقصلة الوصم الاجتماعي وطرق باب العيادة، فإنه يصطدم بواقع أكاديمي وعيادي يعيش تحديات إبستيمولوجية (معرفية) عميقة. ففي مدرجات جامعاتنا، يستهلك طلبة علم النفس ترسانة من النظريات (الفرويدية، اللاكانية، والسلوكية، المعرفية، البنائية) التي ولدت وتكونت في سياقات سوسيو-ثقافية غربية، ليطلب منهم تطبيقها على ذهن مجتمعي محلي له شيفراته الرمزية، وأمثاله الشعبية، ونظام قرابته شديد التعقيد.
كيف يمكن لمقاربة نفسية أن تنجح إذا لم تكن قادرة على تفكيك دلالات “الدارجة” المغربية بما تحمله من تعبيرات ثقافية عن المعاناة (Indioms of distress) واستعارات لغوية فريدة؟ فاللغة ليست مجرد وعاء للكلام، بل هي الوعاء الرمزي للخبرة النفسية. حين يقول المغربي: “ضاق صدري”، أو “ما بقاش فيا الجهد”، أو “حاس براسي مخنوق”، فهو لا يقدم أعراضا طبية باردة، بل يفتح نافذة على عالم داخلي مشحون بالرمز والتاريخ والعلاقة بالذهن والعائلة والمجتمع. ومن لا يفهم هذه الدينامية اللغوية والثقافية في عمقها، قد يرصد الأعراض دون أن يحيط بجوهر المعاناة.
إن علم النفس في المغرب اليوم يقف أمام امتحان عسير: “التبيئة (Indigénisation)”. نحن بحاجة ماسة إلى مقاربة نفسية تستوعب الخصوصية الثقافية للمجتمع المغربي، ممارسة تتجاوز النقل الحرفي للنظريات العلمية لتفهم سيكولوجيا الحومة “الحي”، وتفكك دينامية الأسرة الممتدة، بدلا من استنساخ نماذج علاجية مستوردة تسقط على المريض مفاهيم لا تنتمي لواقعه.
ويزداد الالتباس نتيجة ضعف الثقافة النفسية حين لا يميز الناس بين الطبيب النفسي، والأخصائي النفسي، والمعالج النفسي؛ فيختلط العلاج الدوائي بالمواكبة النفسية، وتضيع على المواطن البسيط خريطة الطريق نحو المساعدة المناسبة. إن وضوح الأدوار ليس تفصيلًا إداريًا، بل شرط أساسي لبناء الثقة بين المجتمع ومهن الصحة النفسية.
سوق الوهم… طفيليات على جسد الهشاشة:
وفي ظل هذا المخاض العسير الذي تعيشه الممارسة السيكولوجية الحقيقية، وفي غياب قانون صارم يسيج مهنة “الأخصائي النفسي” ويحمي قدسيتها، نبتت على هوامش هذا الفراغ طفيليات تتاجر بأوجاع الناس. لقد غصت الساحة بما يسمى بـ “مستشاري الطاقة” و”مدربي التنمية الذاتية”؛ أولئك الذين يبيعون “السعادة المعلبة” ووصفات النجاح السحرية في قاعات الفنادق الفخمة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
إنهم يستغلون هشاشة الفرد المغربي، تائه الخطى، ليقدموا له حلولا سطحية تخدر الألم ولا تعالج الجرح. هذا العبث بمآسي الناس النفسية يمثل انتهاكا صارخا لحرمة النفس البشرية، ويؤخر مسار تأسيس ممارسة نفسية علمية وعميقة.
صرخة نحو “أمن نفسي” شامل:
إن بناء مغرب حداثي وقوي لا يمكن أن يتحقق بتشييد الجسور وناطحات السحاب فحسب، بل يبدأ أولا بترميم الإنسان من الداخل. ولن يتسنى لنا ذلك إلا ببلورة مشروع مجتمعي متكامل يهدف إلى تحقيق “الأمن النفسي”؛ أولا عبر كي الوعي المجتمعي وتحطيم أصنام الخرافة المرتبطة بالمرض النفسي، مع إشاعة ثقافة تتبنى “الصحة النفسية” كحق أساسي من حقوق الإنسان، لا كمالية من كماليات الرفاهية. ثانيا، يتطلب الأمر إحداث ثورة في التكوين الأكاديمي تخرج علم النفس من ردهات التنظير الجاف إلى ساحات التداريب العيادية الميدانية، وتؤسس لمقاربة نفسية تستوعب الخصوصية الثقافية للمجتمع المغربي قادرة على محاورة التراث الشعبي وتفكيكه بدل تجاهله والتعالي عليه. ثالثا، لا بد من إشهار سيف القانون والضرب بيد من حديد على العابثين بالصحة النفسية للمغاربة، من خلال إخراج هيئة وطنية للأخصائيين النفسيين تضع معايير صارمة للممارسة العيادية. وأخيرا، يجب تقريب العيادة من المواطن عبر إدماج خدمات الصحة النفسية داخل المستوصفات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات، حتى لا تبقى العيادة النفسية امتيازا حضريا لمن يملك المال واللغة والجرأة، بل حقا متاحا لكل من يحتاج إلى الإنصات والمواكبة.
ختاما، إن الجسد المغربي يركض اليوم بسرعة نحو المستقبل، لكن روحه تلهث في الخلف مثقلة بجراح الماضي وصدمات الحاضر. وإلى أن يتمكن علم النفس من مد جسر متين بين هذا الجسد وذلك الذهن، ستظل سيكولوجيا المغاربة تائهة في منطقة الظل، تبحث عن ملاذ آمن بين “بخور” الضريح، و”أريكة” المحلل.
تعبر المقالات المنشورة في “منتدى الديار” عن رأي أصحابها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الجريدة
