تقرير صادم حول سلوك المغاربة.. «تهركاويت» تغزو الفضاءات العمومية ودعوات لتفعيل «الردع» و«التربية»
في تشخيص صريح لظاهرة ما بات يعرف بـ”التهركاويت”، دق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ناقوس الخطر بشأن تنامي بعض مظاهر السلوك غير المدني داخل الفضاءات العمومية، معتبرا أن هذه الممارسات أصبحت تشكل تحديا حقيقياً أمام جهود تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية الجماعية.
وأكد المجلس، في “رأي” حديث حول السلوك المدني في الفضاءات العمومية، أن المغرب يتوفر على رصيد حضاري وثقافي غني قائم على قيم التضامن والاحترام المتبادل وخدمة الصالح العام، وهي القيم التي تتجلى بوضوح خلال الأزمات والكوارث وحملات التضامن الوطنية. غير أن هذا الرصيد، بحسب المجلس، يصطدم في الواقع اليومي باستمرار سلوكيات وممارسات تتنافى مع قواعد العيش المشترك واحترام الملك العمومي.
ومن بين أبرز مظاهر “هركاوة” التي رصدها المجلس، الإخلال بالنظافة العامة عبر رمي النفايات في الشوارع والحدائق، وتخريب التجهيزات والمرافق العمومية، فضلا عن السلوكيات الخطيرة في الطرقات، سواء من قبل بعض السائقين أو مستعملي الطريق، وما يرافقها من تهور وعدم احترام لقواعد السلامة المرورية. كما أشار إلى بعض التجاوزات التي تشهدها أحيانا الفضاءات الرياضية والملاعب، خاصة خلال المباريات التي ترتفع فيها مستويات التوتر والانفعال.
وسجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن مختلف المبادرات العمومية الرامية إلى نشر ثقافة المواطنة والسلوك المدني، سواء عبر المدرسة أو وسائل الإعلام أو برامج التوعية الدينية والاجتماعية، ظلت محدودة الأثر بسبب طابعها القطاعي وعدم خضوعها لرؤية مندمجة ومنسقة بين مختلف المتدخلين.
ويرى المجلس أن تفشي بعض السلوكيات غير المدنية لا يرتبط فقط بغياب الوعي الفردي، بل يعكس تحولات أعمق مست مسارات التنشئة الاجتماعية، في ظل تنامي تأثير الفضاء الرقمي وتراجع بعض الأدوار التقليدية للأسرة والمدرسة، إلى جانب استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية وضعف الولوج المتكافئ إلى فرص الإدماج والتنمية. كما نبه إلى وجود عوامل مؤسساتية مرتبطة بمدى تفعيل القوانين واحترامها، وفعالية آليات تدبير القرب وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، دعا المجلس إلى إطلاق مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني، يرتكز على ميثاق وطني يحدد قواعد السلوك داخل الفضاءات العمومية، مع إشراك مختلف الفاعلين من مؤسسات وجماعات ترابية ومجتمع مدني وقطاع خاص ووسائل إعلام.
كما أوصى بالتطبيق الصارم للمقتضيات الزجرية المتعلقة بالمخالفات التي تمس بالنظام العام والسكينة العمومية، وإرساء منظومة موحدة للعقوبات الإدارية تشمل بدائل تربوية وإصلاحية، من قبيل الأشغال ذات المنفعة العامة والدورات التكوينية، بما يضمن الردع والتقويم في الآن ذاته.
وشدد المجلس على ضرورة إدراج التربية على السلوك المدني بشكل واضح في المناهج التعليمية منذ المراحل الأولى للتعليم، مع تعزيز الأنشطة الموازية التي تساهم في ترسيخ قيم الاحترام والمسؤولية والمحافظة على الممتلكات المشتركة.
وفي سياق الاستعدادات التي تشهدها المملكة لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذا الموعد الدولي يشكل فرصة استراتيجية لإعادة الاعتبار للفضاء العمومي وترسيخ ثقافة المواطنة والسلوك المدني، حتى لا تبقى مظاهر “التهركاويت” وتبخيس الملك العام من المشاهد المألوفة في الشوارع والساحات والمرافق العمومية.
وختم المجلس رأيه بالتأكيد على أن بناء فضاءات عمومية نظيفة وآمنة ومنظمة لا يرتبط فقط بتشديد العقوبات، بل يمر أساساً عبر ترسيخ ثقافة “القدوة الحسنة” وربط الحقوق بالواجبات، بما يجعل احترام القانون والمحافظة على الممتلكات الجماعية سلوكا يوميا يعكس صورة مجتمع متماسك ومواطن مسؤول.
