يونس وعمر يكتب: لنوقف الحياة بالبهاليل.. لدواع أمنية!

وأنت تطالع ما نشرته جريدة «الديار» عن الأحداث الأمنية التي شهدتها مدينة البهاليل، من تكوين عصابة إجرامية واعتداءات متكررة بالسلاح الأبيض، وصلت بحسب الجريدة، إلى محاولة ذبح شاب وسط مقهى..

قد تشعر بالقلق.

وقد تشعر بالغضب أيضاً، وأنت تقرأ عن تأخر توقيف المشتبه بهم لأسبوعين، في مدينة يصعب أن تخفي فيها عن جيرانك ضيفاً حلّ ببيتك، فما بالك بثلاثة أشخاص يروّعون سكانها!

لكنك لن تشعر بالصدمة بعد..

فهنا .. ربما كانت الأجهزة الأمنية المحلية في حاجة إلى دعم “الإنتربول” و”الأقمار الصناعية” لتعقّب ثلاثة جانحين في أزقة البهاليل!

ثم إن المهم، في نهاية المطاف، أنهم أُلقي القبض عليهم.. ولو بعد أسبوعين!

الصدمة الحقيقية يا صديقي،

تأتي حين تصل إلى القرار الذي اتخذته الجهات المختصة لمواجهة هذا الانفلات.
ففي الوقت الذي كانت فيه الساكنة تنتظر إجراءات استثنائية لمحاصرة المعتدين، فوجئت، بحسب ما نقلته الجريدة، بإجراء استثنائي فعلاً.. لكن من نوع آخر:

«إغلاق المحلات التجارية والمقاهي ابتداءً من التاسعة والنصف ليلاً!»

وفقط!

هنا بالظبط ، تشعر بشيء غريب يقطع حبل المنطق في رأسك، فتتناثر أفكارك على شكل أسئلة مبعثرة، لا رابط بينها.. غير العبث!

لماذا التاسعة والنصف بالضبط؟!

هل كان وراء القرار دراسات أمنية معمقة؟
اجتماعات مطولة، او تحليلات دقيقة..
انتهت جميعها إلى أن التاسعة والنصف هي التوقيت المثالي لإنقاذ المدينة؟

لماذا ليست التاسعة؟ أو العاشرة؟

ثم ماذا لو قرر الجانحون، بعد اطلاعهم على القرار، تغيير مواقيت عملهم؟

ماذا لو خرجوا عند الثامنة؟ أو السادسة؟

هل كنا سنطلب من السكان العودة إلى بيوتهم بعد صلاة العصر؟
وهل كنا سنصل، في نهاية المطاف، إلى اكتشاف أن أفضل وسيلة لضمان أمن المدينة هي إغلاقها نهائياً؟

ثم إن الأمر لا يتعلق بالتوقيت وحده، بل بعدد الجانحين أيضاً!

فإذا كانت مواجهة ثلاثة أشخاص تستدعي إغلاق المحلات والمقاهي ابتداءً من التاسعة والنصف ليلاً، فماذا كنا سنفعل لو كانوا أربعة؟
هل كنا سنعلن حالة الطوارئ؟
وماذا لو كانوا خمسة؟
هل كنا سنضطر إلى إخلاء المدينة؟
أما لو بلغ عددهم عشرة، فهل كنا سنصبح أمام أزمة تستدعي التفكير في إعادة إسكان أهل البهاليل بإقليم آخر؟!

هنا تكمن الصدمة الحقيقية..
وهنا يصير الأمر فادحا حد القتامة!

والا ..فقل لي يا صديقي ،
كيف تصف او تحلل خبراً مفاده أن ثلاثة أشخاص استطاعوا تغيير توقيت مدينة بأكملها.. في مغرب سنة 2026؟!

فإما أننا، مرة أخرى، أمام حالة جديدة من حالات العبث في هذه البقعة الحزينة..

وإما أن القرار ينطوي على فلسفة أمنية أعمق من أن تستوعبها عقولنا البسيطة!
فلسفة لا تشغل نفسها فقط بكيفية منع الاعتداء، بل بكيفية منع وجود من يمكن الاعتداء عليه!

وهكذا، وبدلاً من استعادة الشارع للناس، نطلب من الناس أن ينسحبوا من الشارع.

وعوض أن يتوقف المجرم عن تهديد المواطن، يتوقف المواطن عن الخروج حتى لا يصادف المجرم.

وإذا تعذر منع السرقة، فلنغلق الأسواق.

وإذا تعذر وقف الاعتداءات على الطرق، فلنمنع السير.

أما إذا تعذر منع الجريمة، فلنمنع الضحية المحتملة من الوصول إلى مسرحها.

وبذلك نكون قد عالجنا المشكلة من جذورها!
فلا جريمة دون ضحية..
ولا ضحية إذا بقي الجميع في بيوتهم!

طيب، دعك من كل هذا العبط،
وافترض معي جدلا ان للقرار عمقا اكبر من سطحية تفكيرنا ..وأنه يمثل ثورة في مجال الاستراتيجيات الاستباقية على المستوى العالمي .

لماذا لا يأخذ حقه من الاهتمام إذن؟
ولماذا لا نكرّم صاحب الفكرة؟
ومن اقترحها؟
ومن ناقشها؟
ومن صادق عليها؟

ألا يستحق الأمر أن ننحت لهم تمثالاً..
أو ان ننصب ضريحاً يُزار، للجهة التي استطاعت إقناع الحاضرين، إن كان هناك اجتماع أصلاً، بأن الحل المناسب لمواجهة ثلاثة أشخاص يحملون أسلحة بيضاء هو تغيير توقيت الحياة بمدينة بأكملها؟!

فليس من الإنصاف أن يبقى هذا الابتكار الأمني حبيس مدينة البهاليل، بينما تنفق حكومات العالم الملايير على تكوين أجهزتها الأمنية، وتجهيز دورياتها، وتطوير وسائل التدخل والمراقبة !

خصوصاً أننا أمام مقاربة اقتصادية بامتياز..
لا تحتاج إلى تجهيزات باهظة؛
ولا إلى أنظمة مراقبة متطورة؛
ولا إلى زيادة عدد الدوريات.

كل ما تحتاجه هو ساعة حائط، وقرار إغلاق، ومواطن مستعد للعودة إلى بيته قبل انتهاء نشرة الأخبار!

وإذا كُتب لهذه التجربة أن تنجح، فقد تصبح البهاليل قبلة للوفود الأمنية الأجنبية، التي ستأتي للاطلاع على كيفية تدبير مدينة صغيرة لمخاطر كبيرة بإجراءات بسيطة.

وعندها، سنكون قد انتقلنا من استيراد التجارب الأمنية إلى تصديرها.
وستكون تلك، دون شك، مساهمة علمية تستحق أن تُسجّل باسم الإقليم!
وربما باسم صاحب الساعة أيضاً!

آنذاك ، سيصبح أقل ما يمكن ان تقدمه مدينة صفرو لشقيقتها بهاء الليل ، احتفاءً بهذا الإنجاز التاريخي..حفلاً بهيجاً يليق بحجم الاكتشاف!

حفل يُدعى إليه عشاق التطبيل من سياسيينا،
الذين لا تتجاوز حصيلة بعضهم بضع صور سيلفي وباقة من الفضائح..والذين يبحثون عن أدنى مناسبة للظهور .
ثم أصحاب الكيوسكات والرخص، وكل من يبحث عن مناسبة لالتقاط صورة، أو موجة يركبها!

لتُوزَّع الشواهد التقديرية، وتُلتقط الصور التذكارية، وتتعالى الحناجر بالهتاف الخالد:

«ها هوما.. ها هوما!»

تعبر المقالات المنشورة في “منتدى الديار” عن رأي أصحابها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الجريدة